بسم الله الرحمن الرحيم
( محاضرة بعنوان ) "مفاهيم في العقيدة يجب أن تصحح"
إعداد وتحقيق
وجـدي عـبد اللطــيف أبـوراس
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين .. فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، وبفضله تتحقق المقاصد والغايات ، المستحق لغايات التحميد ، الذي لا يفنى عطاؤه ولا يبيد ، المانع فلا معطى لما منع ولا راد لما يريد ..
وأصلي وأسلم على النبي المفضل ، والرسول المبجل ، الذي حاز كل كمال ، وخص بالفضل وحسن المقال ، سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وصحبه الغر الميامين ، أمناء دعوته ، وقادة ألويته ، وارضى اللهم عنا وعنهم يارب العالمين .
اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، فاللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما .
وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ..
أما بعد ،،
فهذه محاضرة بعنوان " مفاهيم في العقيدة الإسلامية يجب أن تصحح " ..
=============================================
قال الله تعالى : (( قل إن صلاتي ونسكي ومحياى ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين )) .
وقال تعالى : (( قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم )) سورة المائدة أية 15-16.
وقال تعالى : (( وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه )) سورة آل عمران أية 187.
ونظراً لأهمية هذا الموضوع وخطورته وخصوصاً على الناشئة ، فسوف تنتظم هذه المحاضرة في العناصر التالية :
أولاً : الإسلام دين الفطرة والبساطة ..
ثانياً : مفهوم العقيدة الإسلامية الشامل وخصائصها ..
ثالثاًً : حكم جديد إسمه لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ..
رابعاً : مفهوم البدعة الحقيقي وأقسامها ..
خامساً : مفهوم التوسل ..
وأخيراً : إياك نعبد وإياك نستعين ..
والله أسأل أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، أؤلئك الذين هداهم الله ، وأؤلئك هم أولوا الآلباب ..
أولاً : دين الإسلام دين الفطرة والطبيعة ..
عندما يولد الإنسان فإنما يولد على الفطرة ويعيش معه خيره وأساس عقيدته مالم تتصل به مؤثرات تغير اتجاه هذه الفطرة السليمة ، فينحرف بها عن حقها ومثلها ومبادئها إلى ما يؤدي بها إلى الخسار والبوار ، ويعرضها للشك والشرك فيضيع دينه وتضيع دنياه .
وهذا يتأكد بقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما من مولد إلا ويولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ) .
فقد بعث الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم ليعرف الناس هذه الحقيقة ويردهم إلى فطرتهم ، فمكث في مكة ثلاثة عشر عاماً يؤكد العقيدة ويقويها في نفوس أتباعه حتى يتجمعوا على كلمة التوحيد ، وجاءت أوامر الحق سبحانه إلى نبيه ، لينطلق على هذا الأساس بدعوته ، فقال تعالى : (( قل إنما يوحى إلى أنما إلـهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون ))
ولعل أبرز ما في صفات هذا الدين ، البساطة والوضوح في التوحيد والصلة بين الخالق والمخلوق ، فتعاليمه تبين أن الله جل شأنه إله متفرد بالعظمة والوحدانية لا يشرك في حكمه أحد ، وأن الناس جميعاً عباده لا فرق بين الكبير والصغير ، وأن النبي عبد مثلهم أكرمه الله بوحيه وأمره بتبليغ رسالته وليس له من الأمر شيء .
هذه حقيقة التوحيد الإسلامي ، وهذا هو الوضوح الذي لا غموض فيه ولا التواء ، حيث ترى الله قائماً بذاته والكون قائماً به ، بل الله متصرف بمخلوقاته ، وقضاؤه نافذ فيهم ، وليس لهم إلا الاتكال عليه والعمل بما أمر ، وكل هذا العالم فان والمرجع إلى الله ، هذه هى البساطة والوضوح في العقيدة ، بساطة لا تكلف الإنسان مشقة في الفهم ، ولكن يغمره بنور اليقين . فمنهج القرآن الكريم في إنشاء العقائد وإنضاجها خفيف رقيق أخف من الهواء وأرق من الماء .
ج
مفاهيم في العقيدة يجب أن تصحح .. (1) وجدي أبوراس
ثانياً : مفهوم العقيدة الإسلامية الشامل وخصائصها ..
ــ مامعنى العقيدة الإسلامية ؟ ، سؤال يجب على كل مسلم أن يعرف جوابه ، وإلا لاستشكل الأمر عليه ، كما هو حال كثير من إخواننا المسلمين اليوم .
العقيدة الإسلامية ببساطة : هى الأمور التي يجزم بصحتها أهل الإسلام جزماً مطلقاً .
وقد يسأل بعض من الناشئة ويقول : من هم أهل الإسلام ، أو بالأحرى ما معنى الإسلام ؟
الجواب أيضا : الإسلام : هو الإقرار باللسان ، وتصديق بالجنان أي { بالقلب } ، بكل ما جاء به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، هذا معنى العقيدة ببساطة كما جاء بها الكتاب والسنة ، لا لبس فيها ولا تعقيد ، ودلنا عليها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، فقال في الحديث الشريف ، الذي رواه البخاري : ( من شهد أن لا إله إلا الله ، واستقبل قبلتنا ، وصلى صلاتنا ، وأكل ذبيحتنا ، فهو المسلم له ما للمسلم ، وعليه ما على المسلم ) .
فما هى الأشياء إذن التي يجزم بصحتها صاحب هذه العقيدة ؟
هى لا شك أركان أساسية لا تكاد تنفك عن بعضها البعض :
ــ أركان العقيدة الإسلامية : ستة أركان وهى :.
1 ) الإيمان بالله تعالى .. 2 ) والإيمان بملائكته .. 3 ) والإيمان بكتبه ..
4 ) والإيمان برسله .. 5 ) والإيمان باليوم الآخر .. 6 ) والإيمان بالقدر .
هذه الأركان والأصول الستة التي تمثل العقيدة ، تلاحظ كل ركن من هذه الأركان الستة يستوجب فيها الإيمان ، إذاً هى قضية الإيمان ، وفي الحديث الشريف ، فقد قال صلى الله عليه وسلم : ( الإسلام علانية ، والإيمان في القلب ) أبو يعلى .
وقال صلى الله عليه وسلم : ( الإيمان بضع وسبعون شعبة ، أرفعها قول لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان ) رواه البخاري .
ــ خصائص العقيدة الإسلامية :
أولا : الوضوح :
فالعقيدة الإسلامية عقيدة واضحة لا غموض فيها ولا تعقيد، فهي تتلخص في أن لهذه المخلوقات إلها واحدا مستحقا للعبادة هو الله تعالى الذي خلق الكون البديع المنسق وقدر كل شيء فيه تقديرا، وأن هذا الإله ليس له شريك ولا شبيه ولا صاحبة ولا ولد ، فهذا الوضوح يناسب العقل السليم ، لأن العقل دائما يطلب الترابط والوحدة عند التنوع والكثرة ، ويريد أن يرجع الأشياء المختلفة إلى سبب واحد.
وكما أن العقيدة الإسلامية واضحة فهي لا تدعو إلى الاتباع الأعمى بل على العكس ، فإنها تدعو إلى التبصر والتعقل قال تعالى :(( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين))
ثانيا : فطرية العقيدة الإسلامية :
إن العقيدة الإسلامية ليست غريبة عن الفطرة السليمة ولا مناقضة لها، بل هي على وفاق تام وانسجام كامل معها
وليس هذا بالأمر الغريب إذ إن خالق الإنسان العليم بحاله هو الذي شرع له من الدين ما يناسب فطرته التي خلقه عليها، كما قال تعالى ((فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم )) وقوله (( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير )) والواقع شاهد على موافقة الفطرة للعقيدة الإسلامية القائمة على الإخلاص لله وحده، فما أن يصاب الإنسان بضر تعجز أمامه القوى المادية إلا ويلجأ إلى الله تعالى في تذلل وخضوع، ويستوي في ذلك الكافر والمؤمن، بل حتى الطفل الصغير فإنه لو ترك على حاله دون أن يؤثر عليه والداه أو البيئة من حوله لنشأ معتقدا بالله تعالى ربا وإلها لا يعبد سواه لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه ) .
ثالثا : عقيدة توقيفية مبرهنة :
تتميز العقيدة الإسلامية بأنها توقيفية فلا تجاوز فيها للنصوص المثبتة لها كما إنها عقيدة مبرهنة تقوم على الحجة والدليل، ولا تكتفي في تقرير قضاياها بالخبر المؤكد والإلزام الصارم، بل تحترم العقول والمبادئ التي يقوم عليها الدين كله ذلك أنها لا تثبت في جميع جزئياتها وكلياتها إلا بدليل من الكتاب أو السنة. بل إن أتباعها منهيون عن الخوض في مسائلها إلا عن علم وبرهان .
مفاهيم في العقيدة يجب أن تصحح .. (2) وجدي أبوراس
قال تعالى (( ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا)) وقال ((وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون )) .
كما أن القرآن الكريم حين يدعو الناس إلى الإيمان بمفردات العقيدة يقيم على ذلك الأدلة الواضحة من آيات الأنفس والآفاق، فلا يدعوهم إلى التقليد الأعمى أو الاتباع على غير هدى، بل إنه يأمرهم أن يطلبوا البرهان والدليل قال تعالى ((قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين )) ويترتب على البرهنة والتوقيفية ما يلي :
1- تحديد مصادر العقيدة بالكتاب والسنة .
2- الالتزام بألفاظ الكتاب والسنة المعّبر بها عن الحقائق العقدية .
3- استعمال تلك الألفاظ فيما سيقت لأجله.
4- عدم تحميل تلك الألفاظ ما لا تحتمل من المعاني.
5- السكوت عن ما سكت عنه الكتاب والسنة وذلك بتفويض علمه إلى الله تعالى.
6- أن نقدم دلالة الكتاب والسنة على ما سواهما من عقل أو حس أو ذوق أو غير ذلك من وسائل المعرفة .
ومن أمثلة الدلائل التي ساقها الله عز وجل في القرآن الكريم القائمة على البراهين ما يلي :
1- الدليل العقلي قال تعالى (( أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون )) .
2- الدليل من الأنفس قال تعالى (( وفي أنفسكم أفلا تبصرون )) .
3- الدليل من الآفاق قال تعالى (( مرج البحر يـن يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان )) .
رابعا :عقيدة ثابتة ودائمة :
لما كانت العقيدة الإسلامية تقوم على الدليل والبرهان لزم أن تكون عقيدة ثابتة ودائمة قال الله تعالى ((لا تبديل لكلمات الله )) وسبب هذا هو ثبوت مصادرها ودوامها لأن الله تعالى تكفل بحفظها ((إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون )) فهي عقيدة ثابتة ومحدده لا تقبل الزيادة ولا النقصان ،ولا التحريف ولا التبديل.
فليس لحاكم أو مجمع من المجامع العلمية أو مؤتمر من المؤتمرات الدينية ليس لأولئك جميعاً و لا لغيرهم أن يضيفوا إليها شيئا أو يحذفوا منها شيئا ، وكل إضافة أو تحوير مردود على صاحبه بقول النبي صلى الله عليه وسلم :
( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) أي مردود عليه وقد هدد القرآن الكريم العلماء خاصة من أن تميل بهم الأهواء والأطماع أو الإغراءت المادية فيزيدوا أو ينقصوا شيئا من الدين قال الله تعالى : (( فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون)) وعلى هذا فكل البدع والأساطير والخرافات التي دست في بعض كتب المسلمين أو أ شيعت بين عامتهم باطلة مردودة لا يقرها القرآن ولا تؤخذ حجة عليه .وإنما الحجة فيما ثبت من نصوصه فقط . كما قال الله تعالى :
(( رسلا مبشرين و منذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل )) .
خامسا : إنها عقيدة وسط لا إفراط فيها ولا تفريط :
إن العقيدة الإسلامية * وسط بين الذين ينكرون كل ما وراء الطبيعة مما لم تصل إليه حواسهم وبين الذين يثبتون للعالم أكثر من إله والذين يحلون روح الإله في الملوك والحكام ، بل وفي بعض الحيوانات والنباتات والجمادات؟ فقد رفضت العقيدة الإسلامية الإنكار الملحد كما رفضت التعدد الجاهل والإشراك الغافل وأثبتت للعالم إلها واحدًا لا شريك له . * كما إنها وسط في الصفات الواجبة لله تعالى فلم تسلك سبيل الغلو في التجريد فتجعل صفات الإله صورا ذهنية مجردة عن معنى قائم بذات لا توحي بخوف ولا رجاء ، كما فعلت الفلسفة اليونانية ، ولم تسلك كذلك سبيل التشبيه والتمثيل والتجسيم كما فعلت بعض العقائد حيث جعلت الإله كأنه أحد المخلوقين يلحقه ما يلحقهم من نقص وعيوب ،* فالعقيدة الإسلامية تنزه الله تعالى إجمالا عن مشابهة المخلوقين بقواعد مثل قوله تعالى :
(( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير )) وقوله (( ولم يكن له كفوا أحد )) ، (( هل تعلم له سميا )) ومع هذا تصفه بصفات إيجابية فعاله تبعث الخوف والرجاء في نفوس العباد كما في قوله تعالى (( الله لا اله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات و ما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيدهم وما خلفهم ولا يحيطون بشي ء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم )) .
مفاهيم في العقيدة يجب أن تصحح .. (3) وجدي أبوراس
ثم إنها * وسط بين التسليم الساذج والتقليد الأعمى في العقائد ، وبين الغلو والتوغل بالعقل لإدراك كل شيء حتى الألوهية فهي تنهى عن التقليد الأعمى ، حيث عاب الله على القائلين (( إنا وجدنا آباءنا على أمة و إنا على آثارهم مقتدون )) وتنهى عن التوغل بالعقل لإدراك كيفية صفات الرب عز وجل فقال تعالى (( ولا يحيطون به علما )) وقال : ((ولا تقف ما ليس لك به علم )) وتدعوهم إلى التوسط والأخذ بالمدركات كوسائط قال تعالى :
(( وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون )) .
ثالثاً : حكم جديد إسمه " لم يفعله رسول الله " صلى الله عليه وسلم .
فالأدعياء والمتطفلون على بساط الحقيقة كثر ، والحقيقة بريئة منهم ولا تعترف لهم بصحة نسبتهم إليها .
وكـل يدعـي وصـلاً بلـيلـى وليـلـى لا تقـر لهـم بـذاكـا
هذا بالإضافة إلى أنهم يشوهون الصورة ويسيئون السمعة ، وهؤلاء الأدعياء يصدق عليهم الوصف النبوي الدقيق الذي يقول : ( المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور( ..
ولقد بلينا معشر المسلمين بكثر من هؤلاء ، يعكرون صفو الأمة ويفرقون بين المسلمين ويورثون العداوة بين الأخ وأخيه والولد وأبيه .
ويدخلون إلى تصحيح مفاهيم الإسلام من باب العقوق ويسلكون في التمسك بآثار السلف سبيل الجحود ويستبدلون الحكمة والموعظة الحسنة والرأفة والرحمة بالغلظة والجفوة وسوء الأدب وقلة الذوق .
إننا نبرأ إلى الله من هذا كله ونعتبر أن كل ما يخالف الكتاب والسنة ولا يقبل التأويل هو مكذوب دخيل وملصق بأيد آثمة ونفوس ضعيفة .
فإذا دعوت مسلماً يصلي ، ويؤدي فرائض الله ، ويجتنب محارمه وينشر دعوته ، ويعمر مساجده ، ويقيم معاهده ، إلى أمر تراه حقاً ويراه هو على خلافك والرأي فيه بين العلماء مختلف قديماً إقراراً وإنكاراً فلم يطاوعك في رأيك فرميته بالكفر لمجرد مخالفته لرأيك فقد قارفت عظيمة نكراء ، وأتيت أمراً إذا نهاك عنه الله ودعاك إلى الأخذ فيه بالحكمة والحسنى .
فأول مفهوم أضافوه علينا واستحدثوه ، هو قولهم ( هذا لم يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم ) ، لقد أضافوا علينا حكماً جديداً على أحكام الشريعة الغراء ، فالذين يزعمون محاربة البدعة كانوا هم أول من وقع فيها على حسب ظني ، تعال معى سويا لنشرح هذا بالضبط : -
الأمر المتفق عليه إجماعاً عند علماء الأصول ، والأمة كما تعلمون لا تجتمع على ضلالة ، وهذا من رحمة الله بهذه الأمة الميمونة المباركة ، فالأمر المجمع عليه اتفاقا أن أحكام الشريعة هي كالتالي :
1) الواجب ، 2) الحرام ، 3) السنة ، 4) المكروه ، 5) الجائزأو المباح .
فأي أمر في الشريعة إلا ويندرج تحت إحدى هذه الأحكام ، ولا يمكن أبدا بأي حال من الأحوال أن يخرج أي أمر كان خارج هذه الأحكام ، فجاء هؤلاء المتنطعون الأدعياء ليضيفوا حكما سادسا على هذه الأحكام فأسموه حكم ( لم يفعله رسول الله ) .
فسيدنا النبي صلى الله عليه وسلم ترك لنا أشياء كثيرة لم يفعلها ولم يأمر بها ولم ينهى عنها ، وهي تدخل تحت حكم الجواز ، فقد قال صلى الله عليه وسلم : ( إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها ، وحد حدوداً فلا تعتدوها ، وحرم أشياء فلا تنتهكوها ، وسكت عن أشياء رحمة لكم فلا تبحثوا عنها ) الدار قطني .
فكيف لهؤلاء الأدعياء أن يجتروا ويدخلون فعلها في الحرام ، بحجة لم يفعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال علماء الأصول في ضوابط قواعد الشريعة : أن الأصل في الأشياء هو المباح ، وأن ما حرمه الشرع هو عارض يعترض الأصل ، لذلك ما سكت عنه الشرع ولم يأمر به ولم ينهى عنه هو في الأصل مباح .
ولو افترضنا ذلك جدلا أن كل مالم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم هو بدعة وحرام :.
فكيف لصديق الأمة سيدنا أبوبكر رضى الله عنه ، أن يفعل شيئا لم يفعله رسول الله وهو جمع القرآن الكريم ، بعد أن عرض سيدنا عمر عليه بأن يجمع القرآن خوفا عليه من الضياع ، وسأل معاذ ابن جبل فقال له معاذ هذا لم يفعله رسول الله ، ثم هدى الله أبا بكر فجمع المصحف وقال هذا والله خير ، وكلكم يعلم بقية القصة .
مفاهيم في العقيدة يجب أن تصحح .. (4) . وجدي أبوراس
ــ فهذا خليفة رسول الله وقد نزل القرآن ليشهد له بأنه صاحب رسول الله ، وهو أقرب خلق الله لرسول الله ، فكيف له أن يبتدع بعد رسول الله ويخالف مالم يفعله رسول الله ، فهو بقول هؤلاء الأدعياء أن أبا بكر كبير المبتدعين وحاش له أن يكون كما يزعمون .
ــ وهدا فاروق الأمة أيضاً سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه ، يقول في صلاة التراويح قولته المشهورة
( نعمت البدعة هذه ) .
فمن أين لهؤلاء الأدعياء لهذا القاموس الجديد ، إنه لا شك سقم في العقول .
رابعاً : مفهوم البدعة وأقسامها ..
ما أكثر البدع حسب اعتقاد هؤلاء الأدعياء المغرمين بتبديع الناس، وفي نظرهم معظم قطاعات الصحوة لا تخلو من بدعة ضلالة.
فالسبحة بدعة ، والاحتفال بمولد سيد الكائنات بدعة ، والأهازيج الإسلامية بدعة ، وفقه الواقع بدعة ، والدعاء غير المنصوص عليه بدعة ، وقفاز المرأة بدعة ، ورفع اليدين بعد الصلاة بالدعاء بدعة ، وهناك ما لا نهاية له من هذا الهوس ، إن هذه الظاهرة ولا شك تنطلق من سقم عقلي.
ويزداد شعورنا هذا حين نجد مثل هذه المبتدعات منصوصاً عليها في أحاديث بعضها في الصحيحين، وبعضها في السنن وأقلها درجة لا ينزل عن رتبة الحسن أو يكون غير مجمع على ضعفه.
ومما يدعو إلى الاستغراب أن هؤلاء متيّمون بالدليل العدمي ، فدليلهم على التبديع في أحيان أخرى هو عدم الدليل، فإذا قال لك عن فعل من الأفعال بدعة فقل له : ما الدليل ؟ فسيقول لك : لأن الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يفعلوه ، فإذا حاججتهم بجمع القرآن ومضاعفة بعض الحدود وفتح الدواوين وصلاة التراويح، قالوا إنها سنة الخلفاء الراشدين وأمرنا باتباعها، فإذا قلت فما قولك في إنكار الصحابة لجمع القرآن في بداية الأمر؟ وإنكارهم على عمر في مسألة إبقاء أراضي الخراج عند أصحابها بدلاً عن توزيعها على الفاتحين والاستفادة من فيئها؟ وما قولك في إنكار الصحابة على عثمان إتمام الصلاة بمنى في الحج؟ هل كان الصحابة يجهلون قوله عليه الصلاة والسلام : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي)؟ ولماذا وقف جمع من الصحابة ضد علي مع معاوية وهو الخليفة المبايع؟ فإن قال هذه اجتهادات لم يبدّعوا بعضهم بعضاً من أجلها، قلنا هذا ما نريد منك الآن، فإما أن تحكم بالبدعة على الصحابة والتابعين وإما أن تقرّ بجواز الاجتهاد في فهم مقاصد الدين، وما لم يرد فيه نص ، وبجواز الاجتهاد في فهم مقاصد النصوص وأسرارها فيما فيه نص.
وما ذكرته الآن من حوار مفترض يجوز على المعتدلين منهم ، أما الغلاة فإنهم يرون الأذان الأول يوم الجمعة بدعة لم ترد ولا يعترفون بأن الخلفاء الراشدين هم الأربعة بل يقولون لا يوجد دليل ينص على أسمائهم ، ويرون المذاهب الأربعة مبتدعة ، كما قال أحدهم: « إن كل هذه المذاهب ضلالات والحق فيما قال الله وقال الرسول » .
ويذكر الجميع كيف ظهر منذ مدة من يقول بأن وسائل الدعوة توقيفية ، وأي وسيلة ليس عليها دليل فهي بدعة ، ثم لما علموا تورّطهم في هذه المقولة ، ورأوا استهزاء الناس بعقولهم خجلوا من أنفسهم.
ولقد كان أكثر الصحابة يتورّعون عن هذه الكلمة ، ولا يطلقونها بالمعنى الدارج بيننا إلا في مواضع مخصوصة ، والروايات التي تروى عنهم في هذا يجب أن تؤخذ بحذر من ناحية سندها أو من ناحية إقرار الصحابة الآخرين لها، لأن عدداً من الصحابة رأوا بدعة ما ليس ببدعة لعدم بلوغ الدليل إليهم فلما عرّفهم الصحابة بذلك رجعوا، أو من ناحية مخالفة النصوص فقد يقول الصحابي بقول يصل إلينا خلافه عن طريق صحابي آخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هذا إذا صدر عن الصحابة ، فما بالك فيما يصدر عن الأئمة والعلماء الذين جاءوا من بعدهم رضي الله عنهم.
مفاهيم في العقيدة يجب أن تصحح .. (5) وجدي أبوراس
فعندما يحكم أحد الأئمة ببدعة قول أو فعل فليس من الضروري أن يكون كلامه حقاً وصواباً فهناك عدد من الأئمة والرؤى والأقوال تتعدد في الأمر الواحد ، أذكر أن بعض الأئمة والعلماء رحمهم الله في مواضع كثيرة من الفتاوى وغيرها يحكمون على أمر ببدعيته فيقولون لم يرد ذلك في السنة ولا ورد عن الصحابة وقد ورد في السنة وورد عن الصحابة في أكثر من دليل ومرة يقول أحدهم اتفق أهل العلم ولم يتفقوا، ومرة ينفي صحة شيء ويقرّه في مكان آخر ويقول به ، ويحكم بالتحريم في شيء يحكم بحلّه في موضع آخر، وغيره مما يحدث من العلماء ممن يفوتهم دليل أو تخفى عليهم سنة ، وهذا يدعونا إلى الحذر من الاندفاع في تبديع الخلق أو نفي الحق عنهم بأقوال لم تمرّ على التحقيق والتمحيص أو رجع عنها أصحابها.
وقد يذكّرنا ذلك بقصة الإمام البخاري حين قال : «لفظي بالقرآن مخلوق» فطرد وأوذي وقد كان الحق معه والناس يرونه على بدعة مغلّظة ،إن القدح في عقائد الناس وقذفهم بالبدعية أشد عند الله من رميهم بالزنا والفواحش كلها، لأن البدعة عند الله أغلظ من كبائر الذنوب.
سوف أذكر ضوابط لما ليس ببدعة لنخرج بتعريف عام لكل ما هو بدعة .
-1 ما ورد فيه نص صحيح أو ضعيف ..
ولا غرابة في أن تتعجب من هذا الضابط وتتساءل : وهل السنة إلا ما ورد فيه نص؟ وهذا صحيح ولكن حين نتأمل في المهووسين بتبديع الناس وننظر في أقوالهم نجد أنهم لا يخشون من إطلاق البدعة على من يملكون مرجعية ونصوصاً فيما ذهبوا إليه ، والأدلة على ذلك كثيرة وعندي مجموعة فتاوى من هنا وهناك تحكم ببدعة عدد من الأفعال بعضها في الصحيحين وبعضها في غير الصحيحين بأسانيد صحيحة وبعد أن تأملت في الأمر وجدت أن الدافع إلى ذلك في غالبه الهوى وإن تذرعوا بكل ذريعة ووجدتهم يكيلون السنة بموازين كثيرة ومن يدعو إلى اتباع الكتاب والسنة يجب ألا يؤمن ببعض ويكفر ببعض ، من الأمثلة على ذلك ما هو في الصحيحين وغيرهما.
أما الحديث الضعيف فهو برغم ضعفه لا يجوز تبديع من عمل به لعدة أسباب:
أ -احتمال ثبوته بوجه من الوجوه.
ب-أن العمل بالضعيف مستحب عند بعض الأئمة احتياطاً في فضائل الأعمال حتى ولو اشتدّ ضعفه.
ج-إثبات الأئمة هذه الأحاديث بأسانيدهم فما من كتاب إلا فيه ضعيف عدا الصحيحين والموطأ على خلاف في الموطأ.
د -دخول الضعيف في مسائل الاجتهاد وليس في المحدثات.
2- ما جاز فيه وجه من وجوه الاجتهاد إما بالفهم لما نص عليه أو بالاستنباط ..
فكل دليل ظني في ثبوته أو دلالته أو ما لم يرد فيه دليل جاز الاجتهاد فيه إلا ما ورد التحريم من الخوض فيه أو التعرض إليه ، ولك أن تعجب ممن يرى اجتهاده حقاً واجتهاد غيره جهلاً وضلالاً.
3- ما ثبت عن أحد الصحابة أو بعضهم فعله أو قوله ..
لأن الصحابة كلهم ثقات عدول لا يجوز إطلاق البدعة على أفعالهم لاقترابهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولهم من الفهم ما لا تدركه مفاهيمنا ، وثبت عندهم ما لم يصلنا ، نعم قد يخالفه صحابة آخرون ولكن ما دام الصحابي متمسكاً برأيه ولم يرجع عنه فليس لأحد أن يعتبر فعله خارجاً عن السنة ما لم يرد فيه دليل على تخطئة صاحب هذا الفعل كحديث الفئة الباغية وحديث إسرائيل قد يكون فعل الصحابي مرجوحاً ولكن وسمه بالبدعة أو من يفعل فعله جريمة وشناعة ، اشتهر بها الرافضة والخوارج.
4- أن يكون العمل منتسباً إلى أصل من الكتاب أو السنة أو متفرعاً عنهما أو نابعاً منهما أو منطلقاً من مقاصدهما..
من هذا المنطق رأينا الصحابة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ينطلقون دون حرج في ذلك وهو يقرّهم على ذلك كالصحابي الذي حمد الله بعد الرفع من الركوع بثناء جاء به من عنده منطلقاً من أصل الحمد في هذا الموضع من الصلاة فامتدح الرسول فعله وأخبره بأن الملائكة نزلت لترفعها ، وكما فعل بلال رضي الله عنه يوم كان يصلي لكل وضوء ركعتين فسمع الرسول خشخشة نعليه في الجنة وأمثلة لا تحصى في هذا الباب ، يكفينا فعل أبي بكر رضي الله عنه في جمع القرآن ، وفعل عمر رضي الله عنه في صلاة التراويح .
مفاهيم في العقيدة يجب أن تصحح .. (6) وجدي أبوراس
5- ألا يكون العمل مضافاً إلى عبادة توقيفية خاصة ..
كالذي يزيد شوطاً في الطواف تعبداً أو يرمي الجمار أكثر من سبع تعبداً أو يترك السحور تعبداً أو يأتي في الصلاة بأفعال وأقوال زيادة على ما ورد وما هو توقيفي.
بعد هذا كله نستطيع أن نقول :
البدعة : هي كل عمل قلبي أو بدني أحدث على سبيل التعبد أو أضيف إلى عبادة توقيفية لا ينتسب إلى أصل من الكتاب والسنة الصحيحة أو الضعيفة أو عمل الصحابة ولم يكن له وجه جائز من وجوه الاجتهاد.
ويجب أن ننبه على كلمة عبادة لأن ما لا يدخل في العبادة لا يدخل في البدعة وهذه إشكالية عند المهووسين بالتبديع يضعون العادات في مصاف العبادات ثم يدخلونها في أبواب البدعة ، ويحكمون على الخلق بالبدعة والضلال.إن الصحوة الإسلامية في هذا العصر بحاجة ضرورية إلى تضييق معنى البدعة والاقتصار على الكتاب والسنة ومفهوم الصحابة - رضي الله عنهم - وليس التبديع بأقوال كل من هبّ ودبّ ، لأن كثيراً من معالم البدعة التي نسمع عنها ونجدها ما هي إلا قضايا اجتهادية جاءت من رؤى وآراء مختلفة تستحق المراجعة والتمحيص؛ لأن العلماء الذين جاءوا بها لم يجمعوا على كثير منها ، ولأن كلاً منهم ينطلق من قواعد تختلف عن الآخر، وكل عالم له تصور عن البدعة فهذا مضيق في منهج البدعة وذاك موسع وهذا متسرع متشدّد وذاك متأن معتدل وغيره بطيء متساهل .
من أجل ذلك فليس كل من حكم على اعتقاد أو عمل بالبدعة نجعله حجة على الخلق ، ولا يصح أن نجعل عالماً من العلماء أو إماماً من الأئمة ميزاناً لباقي الأمة كلها. ومن أخطاء الصحوة أن كل قطاع منها يتخذ إماماً من الأئمة ليقيس الأمة كلها عليه ومن خرج عنه فهو على خطر عظيم ، فالإمام الغزالي له أتباع ، والإمام ابن رشد له أتباع ، والإمام ابن حزم له أتباع ، والإمام الجيلاني له أتباع ، والإمام ابن تيمية له أتباع ، والإمام ابن حجر له أتباع ، وغير هؤلاء لهم أتباع رضي الله عنهم جميعا ً.
الحل الوحيد في رأي بعض العلماء هو أن يقاس كل هؤلاء على الكتاب والسنة فإن اختلفت أفهامنا للكتاب والسنة فلنرجع إلى السواد الأعظم وما أجمعت عليه الأمة في القرون الثلاثة فإن تعذّر الإجماع والسواد الأعظم ، فليس لإمام فضل على إمام ويدخل الجميع في باب الاجتهاد المغفور والمأجور.
وإن من الأدعياء أولئك الذين ينسبون أنفسهم إلى السلف الصالح فقاموا يدعون إلى السلفية في همجية جهلاء وعصبية عمياء وبعقول عقيمة وأفهام سقيمة وصدور ضيقة تحارب كل جديد وتنكر كل مخترع مفيد بدعوى أنه بدعة وأن كل بدعة ضلالة دون التفريق بين أنواع البدعة مع أن روح الشريعة الإسلامية توجب علينا أن نميز بين أنواع البدعة وأن نقول : إن منها البدعة الحسنة ومنها البدعة السيئة ، وهذا ما يقتضيه العقل النير والنظر الثاقب
وهذا ما حققه علماء الأصول من سلف هذه الأمة رضي الله عنهم كالإمام العز ابن عبد السلام والنووي والسيوطي والمحلى وابن حجر .
والأحاديث النبوية يفسر بعضها بعضاً ويكمل بعضها بعضاً ، ولابد من النظر إليها نظرة واحدة متكاملة ، ولابد من تفسيرها بروح الشريعة ومفهومها المتفق عليه بين أهل النظر .
ولذا نجد كثيراً من الأحاديث الشريفة تحتاج في تفسيرها إلى عقل عاقل وفكر ثاقب وفهم لائق وقلب ذائق يستمد من بحر الشريعة الغراء ويراعي أحوال الأمة وحاجتها ويسايرها في حدود القواعد الشرعية والنصوص القرآنية النبوية التي لا يجوز الخروج عنها .
ومن أمثلة ذلك هذا الحديث : كل بدعة ضلالة – فلابد من القول : أن المراد بذلك البدعة السيئة التي لا تدخل تحت أصل شرعي .
وهذا التقييد وارد في غير هذا الحديث مثلا كحديث : ((لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد)) ..
فهذا الحديث مع أنه يفيد الحصر في نفي صلاة جار المسجد إلا أن عمومات الأحاديث تفيد تقييده بأن لا صلاة كاملة
وكحديث : ((لا صلاة بحضرة الطعام)) .. قالوا : أي صلاة كاملة .
وكحديث : ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)) .. قالوا : أي إيماناً كاملاً .
وكحديث : ((والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن ، قيل : من يا رسول الله ؟ قال : من لم يأمن جاره بوائقه))
وكحديث : ((لا يدخل الجنة قتات)) .. ((ولا يدخل الجنة قاطع رحم)) .. ((وعاق لوالديه)) ..
مفاهيم في العقيدة يجب أن تصحح .. (7) وجدي أبوراس
فالعلماء قالوا : إنه لا يدخل دخولاً أولياً أو لا يدخل إذا كان مستحلاً لذلك الفعل .
الحاصل أنهم لم يجروه على ظاهره وإنما أولوه بأنواع التأويل .
وحديث البدعة هذا من هذا الباب فعمومات الأحاديث وأحوال الصحابة تفيد أن المقصود به البدعة السيئة التي لا تندرج تحت أصل كلي .
وفي الحديث : ((من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة)) .
وفي الحديث : ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين)) ..
ويقول سيدنا عمر رضى الله عنه في صلاة التراويح : نعمت البدعة هذه .
تفريق ضروري بين البدعة الشرعية واللغوية ..
ينتقد بعضهم تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة ، وينكر على من يقول ذلك أشد الإنكار ، بل ومنهم من يرميه بالفسق والضلال ، وذلك لمخالفة صريح قول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( كل بدعة ضلالة ) . وهذا اللفظ صريح في العموم وصريح في وصف البدعة بالضلالة .
ولذا لابد أن نوضح هنا مسألة مهمة وبها ينجلي كثير من الإشكال ، ويزول اللبس إن شاء الله .
إذا علمت أن البدعة في الأصل هي : كل ما أحدث واخترع على غير مثال فلا يغيب عن ذهنك أن الزيادة أو الاختراع المذموم هنا هو الزيادة في أمر الدين ليصير من أمر الدين ، وهذا هو الذي حذر منه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) ، فالحد الفاصل في الموضوع هو قوله : ( في أمرنا هذا ) . ولذلك فإن تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة في مفهومنا ليس إلا للبدعة اللغويةالتي هي مجرد الاختراع والإحداث ، ولا نشك جميعاً في أن البدعة بالمعنى الشرعي ليست إلا ضلالة وفتنة مذمومة مردودة مبغوضة ، ولو فهم أولئك المنكرون هذا المعنى لظهر لهم أن محل الاجتماع قريب وموطن النزاع بعيد .
وزيادة في التقريب بين الأفهام أرى أن منكري التقسيم إنما ينكرون تقسيم البدعة الشرعية بدليل تقسيمهم البدعة إلى دينية ودنيوية ، واعتبارهم ذلك ضرورة . وأن القائلين بالتقسيم إلى حسنة وسيئة يرون أن هذا إنما هو بالنسبة للبدعة اللغوية لأنهم يقولون : إن الزيادة في الدين والشريعة ضلالة وسيئة كبيرة ، ولا شك في ذلـك عندهـم فالخلاف شكلي ، غير أني أرى أن إخواننا المنكريـن لتقسـيــم البدعـة إلـى حسنـة وسيئـة ، والقائليـن بتقسيمهـا إلـى دينية ودنيوية لم يحالفهم الحظ في دقة التعبير ، وذلك لأنهم لما حكموا بأن البدعة الدينية ضلالة – وهذا حق – وحكموا بأن البدعة الدنيوية لا شيء فيها قد أساءوا الحكم لأنهم بهذا قد حكموا على كل بدعة دنيوية بالإباحة ، وفي هذا خطر عظيم ، وتقع به فتنة ومصيبة ، ولا بد حينئذ من تفصيل واجب وضروري للقضية ، وهو أن يقولوا : إن هذه البدعة الدنيوية منها ما هو خير ومنها ما هو شر كما هو الواقع المشاهد الذي لا ينكره إلا أعمى جاهل ، وهذه الزيادة لابد منها ، ويكفي في تحقيق هذا المعنى بدقة قول من قال : بأن البدعة تنقسم إلى حسنة وسيئة ، ومعلوم أن المراد بها اللغوية كما تقدم ، وهي التي عبر عنها المنكرون بالدنيوية ، وهذا القول في غاية الدقة والاحتياط ، وهو ينادي على كل جديد بالانضباط والانصياع لحكم الشرع وقواعد الدين ، ويلزم المسلمين أن يعرضوا كل ما جد لهم وأحدث من أمورهم الدنيوية العامة والخاصة على الشريعة الإسلامية ليرى حكم الإسلام فيها مهما كانت تلك البدعة ، وهذه لا يتحقق إلا بالتقسيم الرائع المعتبر عن أئمة الأصول ، فرضي الله عن أئمة الأصول وعن تحريرهم للألفاظ الصحيحة المجزئة المؤدية إلى المعاني السليمة دون نقص أو تحريف أو تأويل .
خامساً : مفهوم التوسل ..
يخطئ كثير من الناس في فهم حقيقة التوسل ، ولذا فإننا سنبين مفهوم التوسل الصحيح في نظرنا وقبل ذلك لابد أن نبين هذه الحقائق :
أولاً : أن التوسل هو أحد طرق الدعاء وباب من أبواب التوجه إلى الله سبحانه وتعالى ، فالمقصود الأصلي الحقيقي هو الله سبحانه وتعالى ، والمتوسَّل به إنما هو واسطة ووسيلة للتقرب إلى الله سبحانه وتعالى ومن اعتقد غير ذلك فقد أشرك .
ثانيـاً : أن المتوسل ما توسل بهذه الواسطة إلا لمحبته لها واعتقاده أن الله سبحانه وتعالى يحبها ، ولو ظهر خلاف ذلك لكان أبعد الناس عنها وأشد الناس كراهة لها .
ثـالثاً : أن المتوسل لو اعتقد أن من توسل به إلى الله ينفع ويضر بنفسه مثل الله أو دونه فقد أشرك .
مفاهيم في العقيدة يجب أن تصحح .. (8) وجدي أبوراس
رابعاً : أن التوسل ليس أمراً لازماً أو ضرورياً وليست الإجابة متوقفة عليه بل الأصل دعاء الله تعالى مطلقاً ، كما قال تعالى : (( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ)) . وكما قال تعالى : (( قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَـنَ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى )) .
المتفق عليه من التوسل ..
لم يختلف أحد من المسلمين في مشروعية التوسل إلى الله سبحانه وتعالى بالأعمال الصالحــة ، فمـن صـام أو صلى أو قرأ القرآن أو تصدق فإنـه يتوسـل بصيامه وصلاته وقراءته وصدقته بل هو أرجى في القبول وأعظم في نيل المطلوب لا يختلف في ذلك اثنان ، والدليل على هذا حديث الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار فتوسل أحدهم إلى الله ببره لوالديه ، وتوسل الثاني بابتعاده عن الفاحشة بعد تمكنه من أسبابها ، وتوسل الثالث بأمانته وحفظه لمال غيره وأدائه له كاملاً ، وفرج الله عنهم ما هم فيه ، وهذا النوع من التوسل قد فصله وبين أدلته وحقق مسائله الشيخ ابن تيمية رحمه الله في كتبه وخصوصاً في رسالته ( قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ) .
محل الخلاف :
ومحل الخلاف في مسألة التوسل هو التوسل بغير عمل المتوسل ، كالتوسل بالذوات والأشخاص بأن يقول : اللهم إني أتوسل إليك بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم أو أتوسل إليك بأبي بكر الصديق أو بعمر بن الخطاب أو بعثمان أو بعلي رضي الله عنهم ، فهذا هو الممنوع عند بعضهم .
ونحن نرى أن الخلاف شكلي وليس بجوهري ، لأن التوسل بالذات يرجع في الحقيقة إلى توسل الإنسان بعمله وهو المتفق على جوازه ، ولو نظر المانع المتعنت في المسألة بعين البصيرة لانجلى له الأمر وانحل الإشكال وزالت الفتنة التي وقع بسببها من وقع فحكم على المسلمين بالشرك والضلال .
وسأبين كيف أن المتوسل بغيره هو في الحقيقة متوسل بعمله المنسوب إليه والذي هو من كسبه .
فأقول : إعلم أن من توسل بشخص ما فهو لأنه يحبه إذ يعتقـد صلاحه وولايتـه وفضلـه تحسينـاً للظـن بـه ، أو لأنـه يعتقد أن هذا الشخص محب لله سبحانه وتعالى يجاهد في سبيله ، أو لأنه يعتقد أن الله تعالى يحبه كما قال تعالى : (( يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ )) ، أو لاعتقاد هذه الأمور كلها في الشخص المتوسل به .
وإذا تدبرت الأمر وجدت أن هذه المحبة وذلك الاعتقاد من عمل المتوسل لأنه اعتقاده الذي انعقد عليه قلبه فهو منسوب إليه ومسئول عنـه ومثاب عليـه ؛
وكأنه يقول : يا رب إني أحب فلاناً وأعتقد أنه يحبك وهو مخلص لك ويجاهد في سبيلك ، وأعتقد أنك تحبه وأنت راض عنه فأتوسل إليك بمحبتي له وباعتقادي فيه أن تفعل كذا وكذا ، ولكن أكثر المتوسلين يتسامحون في التصريح بهذا الأمر مكتفين بعلم من لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور .
فمن قال : اللهم إني أتوسل إليك بنبيك . هو ومن قال : اللهم إني أتوسل إليك بمحبتي لنبيك – سواء ، لأن الأول ما أقدم على هذا إلا لمحبته وإيمانه بنبيه ، ولولا المحبة له والإيمان به ما توسل به ، وهكذا يقال في حق غيره من أولياء الأمة .
وبهذا ظهر أن الخلاف في الحقيقة شكلي ولا يقتضي هذا التفرق والعداء بالحكم بالكفر على المتوسلين وإخراجهم عن دائرة الإسلام (( سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ)) .
أدلة ما عليه المسلمون من التوسل ..
قال الله تعالى : (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ )) .
معنى توسل عمر بالعباس ..
أخرج البخاري في صحيحه عن أنس أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه – كانوا إذا قحطوا – استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال : [ اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا ] .
وأخرج الزبير بن بكار في الأنساب من طريق غيره هذه القصة بأبسط من هذا .
وتلخيصها : عن عبد الله بن عمر قال : استسقى عمر بن الخطاب عام الرمادة [بفتح الراء وتخفيف الميم] سميت بذلك لكثرة تطاير الرماد لاحتباس المطر بالعباس ابن عبد المطلب ، فخطب الناس فقال : ياأيها الناس إن رسول الله
مفاهيم في العقيدة يجب أن تصحح .. (9) وجدي أبوراس
صلى الله عليه وسلم كان يرى للعباس ما يرى الولد للوالد – فاقتدوا أيها الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم في عمه العباس ، واتخذوه وسيلة إلى الله : أدع يا عباس فكان من دعائه رضي الله عنه : اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب ولم يكشف إلا بتوبة – وقد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك وهذه أيدينا أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا إليك بالتوبة فاسقنا الغيث واحفظ اللهم نبيك في عمه ، فأرخت السماء مثل الجبال حتى أخصبت الأرض وعاش الناس وأقبل الناس على العباس يتمسحون به ، ويقولون له : هنيئاً لك يا ساقي الحرمين ، وقال عمر – رضي الله عنه – ذلك : هذا والله الوسيلة إلى الله والمكان منه – وفي ذلك أنشد عباس بن عتبة ابن أخيه أبياتاً منها :
بعمي سقى الله الحجاز وأهله :: عشية يستسقى بشيبته عمر
وقال ابن عبد البر : وفي بعض الروايات فارخت السماء عزاليها فجاءت بأمثال الجبال حتى استوت الحفر بالآكام وأخصبت الأرض وعاش الناس ، فقال عمر رضي الله عنه : هذا والله الوسيلة إلى الله عز وجل ، والمكان منه .
الخلاصة : ..
والخلاصة أنه مما لا شك فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم له عند الله قدر علِيّ ومرتبة رفيعة ، وجاه عظيم ، فأي مانع شرعي أو عقلي يمنع التوسل به فضلاً عن الأدلة التي تثبته في الدنيا والآخرة – ولسنا في ذلك سائلين غير الله تعالى ولا داعين إلا إياه فنحن ندعوه بما أحب أياً كان ، تارة نسأله بأعمالنا الصالحة لأنه يحبها وتارة نسأله بمن يحبه من خلقه ، وتارة نسأله بأسمائه الحسنى كما في قوله - صلى الله عليه وسلم ( أسألك بأنك أنت الله ) أو بصفته أو فعله كما في قوله في الحديث الآخر : ( أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك ) ، وليس مقصوراً على تلك الدائرة الضيقة التي يظنها المتعنتون .
وسر ذلك أن كل ما أحبه الله صح التوسل به ، وكذا كل من أحبه من نبي أو وليّ ، وهو واضح لدى كل ذي فطرة سليمة ولا يمنع منه عقل ولا نقل بل تضافر العقل والنقل على جوازه والمسؤول في ذلك كله الله وحده لا شريك له لا النبي ولا الولي ولا الحي ولا الميت ، (( قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّهِ فَمَا لِهَـؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً )) .
وإذا جاز السؤال بالأعمال فبالنبي صلى الله عليه وسلم أولى لأنه أفضل المخلوقات والأعمال منها والله أعظم حبَّاً له صلى الله عليه وسلم من الأعمال وغيرها – وليت شعري ما المانع من ذلك ، واللفظ لا يفيد شيئاً أكثر من أن للنبي قدراً عند الله ، والمتوسل لا يريد غير هذا المعنى ، ومن ينكر قدره عند الله فهو كافر والعياذ بالله .
وبعد : فمسألة التوسل تدل على عظمة المسؤول به ومحبته ، فالسؤال بالنبي إنما هو لعظمته عند الله أو لمحبته إياه وذلك مما لاشك فيه على أن التوسل بالأعمال متفق عليه ، فلماذا لا نقول : إن من يتوسل بالأنبياء أو الصالحين هو متوسل بأعمالهم التي يحبها الله ، وقد ورد حديث أصحاب الغار فيكون من محل الاتفاق ؟ .
ولا شك أن المتوسل بالصالحين إنما يتوسل بهم من حيث أنهم صالحون فيرجع الأمر إلى الأعمال الصالحة المتفق على جواز التوسل بها ، كما قلنا آنفاً .
إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله ..
[هذا طرف من الحديث المشهور الذي رواه الترمذي وصححه عن ابن عباس مرفوعاً] .
وهذا الحديث يخطئ كثير من الناس في فهمه ، إذ يستدل به على أنه لا سؤال ولا استعانة مطلقاً من كل وجه وبأي طريق إلا بالله ويجعل السؤال والاستعانة بغير الله من الشرك المخرج من الملة ، وهو بهذا ينفي الأخذ بالأسباب والاستعانة بها ويهدم كثيراً من النصوص الواردة في هذا الباب .
والحق أن هذا الحديث الشريف ليس المقصود به النهي عن السؤال والاستعانة بما سوى الله كما يفيده ظاهر لفظه وإنما المقصود به النهي عن الغفلة عن أن ما كان من الخير على يد الأسباب فهو من الله ، والأمر بالانتباه إلى أن ما كان من نعمة على يد المخلوقات فهو من الله وبالله ، فالمعنى : وإذا أردت الاستعانة بأحد من المخلوقين ، ولابد لك منها فاجعل كل اعتمادك على الله وحده ولا تحجبنك الأسباب عن رؤية المسبب جل جلاله ، ولا تكن ممن يعلمون ظاهراً من هذه الارتباطات والعلاقات بين الأشياء المترتب بعضها على بعض ، وهم عن الذي ربط بينها غافلون .
وقد أومأ هذا الحديث نفسه إلى هذا المعنى ، وذلك في قوله عليه الصلاة والسلام عقب هذه الجملة الشريفة :
مفاهيم في العقيدة يجب أن تصحح .. (10) وجدي أبوراس
( واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ، وإن اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك ) ، فأثبت لهم كما نرى نفعاً وضراً بما كتبه الله للعبد أو عليه .
فهذا منه يوضح مراده .
وكيف ننكر الاستعانة بغيره ، وقد جاء الأمر بها في مواضع كثيرة من الكتاب والسنة ، قال تعالى :
(( وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ )) ، وقال : (( وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ )) .
وحكي عن العبد الصالح ذي القرنين قوله : (( فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ )) ، وفي مشروعية صلاة الخوف الثابتة بالكتاب والسنة مشروعية استعانة بعض الخلق ببعض ، وكذا في أمره تعالى المؤمنين بأن يأخذوا حذرهم من عدوهم .
وكذا في ترغيبه عليه الصلاة والسلام للمؤمنين في قضاء حوائج بعضهم بعضاً ، والتيسير على المعسر والتفريج عن المكروب ، وفي ترهيبه من إهمال ذلك ، وهو في السنة كثير ، روى الشيخان : ( من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ) .
وروى مسلم وأبو داود وغيرهما عنه عليه الصلاة والسلام : ( والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ) . وقال صلى الله عليه وسلم : ( إن لله خلقاً خلقهم لحوائج الناس يفزع الناس إليهم في حوائجهم ، أولئك الآمنون من عذاب الله ) ؛ فانظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم : ( يفزع إليهم في حوائجهم ) ، ولم يجعلهم مشركين بل ولا عاصين ..
وروي أيضاً مرفوعاً : ( إن لله عند أقوام نعما أقرها عندهم ما كانوا في حوائج المسلمين ما لم يملوهم ، فإذا ملوهم نقلها إلى غيرهم ) ..
وروى هو وابن أبي الدنيا عنه صلى الله عليه وسلم : ( إن لله أقواماً اختصهم بالنعم لمنافع العباد ، يقرهم فيها ما بذلوها فإذا منعوها نزعها منهم فحولها إلى غيرهم ) ..
قال الحافظ المنذري : ولو قيل بتحسين سنده لكان ممكناً . وقال صلى الله عليه وسلم : ( لأن يمشي أحدكم مع أخيه في قضاء حاجته – وأشار باصبعه – أفضل من أن يعتكف في مسجدي هذا شهرين ) ..
رواه الحاكم وقال : صحيح الإسناد .
سادساً : مفهوم التعظيم ..
وقد أخطأ كثير من الناس في فهم بعض الأمور المشتركة بين المقامين ( مقام الخالق ومقام المخلوق ) فظن أن نسبتها إلى مقام المخلوق شرك بالله تعالى .
ومن ذلك بعض الخصائص النبوية مثلاً ، التي يخطئ بعضهم في فهمها فيقيسونها بمقياس البشرية ، ولذلك يستكثرونها ويستعظمونها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويرون أن وصفه بها معناه وصفه ببعض صفات الألوهية ، وهذا جهل محض لأنه سبحانه وتعالى يعطي من يشاء وكما يشاء بلا موجب ملزم وإنما هو تفضل على من أراد إكرامه ورفع مقامه وإظهار فضله على غيره من البشر وليس في ذلك انتزاع لحقوق الربوبية وصفات الألوهية ، فهي محفوظة بما يناسب مقام الحق سبحانه وتعالى : وإذا اتصف المخلوق بشيء منها فيكون بما يناسب البشرية من كونها محدودة مكتسبة بإذن الله وفضله وإرادته لا بقوة المخلوق ولا تدبيره ولا أمره إذ هو عاجز ضعيف لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً ، وكم من أمور جاء ما يدل على أنها حق لله سبحانه وتعالى ، ولكنه سبحانه وتعالى منَّ بها على نبيه صلى الله عليه وسلم وغيره .
وحينئذ فلا يرفعه وصفه بها إلى مقام الألوهية أو يجعله شريكاً لله سبحانه وتعالى.
- فمنها : الشفاعة ، فهي لله ، قال الله تعالى : (( قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ )) ، وهي ثابتة للرسول صلى الله عليه وسلم ولغيره من الشفعاء بإذن الله كما جاء في الحديث : ( أوتيت الشفاعة ) ..
وحديث : ( أنا أول شافع ومشفع ) ..
- ومنها : علم الغيب ، فهو لله سبحانه وتعالى : (( قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ )) ، وقد ثبت أن الله تعالى علّم نبيه من الغيب ما علّمه وأعطاه ما أعطاه (( عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ )) .
- ومنها : الهداية فهي خاصة بالله تعالى ، قال الله تعالى : (( إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ )) وقد جاء أنه صلى الله عليه وسلم له شيء من ذلك فقال : (( وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ )) ، والهداية الأولى غير الهداية الثانية ، وهذا إنما يفهمه العقلاء من المؤمنين الذين يعلمون الفرق بين الخالق والمخلوق ، ولولا ذلك لاحتاج أن يقول : وإنك لتهدي هداية إرشاد ، أو أن يقول وإنك لتهدي هداية غير هدايتنا ، ولكن كل ذلك لم يحصل ،
مفاهيم في العقيدة يجب أن تصحح .. (11) وجدي أبوراس
بل أثبت له هداية مطلقة بلا قيد ولا شرط ، لأن الموحد منا معشر المخاطبين من أهل الإسلام يفهم معاني الألفاظ ويدرك اختلاف مدلولاتها بالنسبة لما أضيف إلى الله ، وبالنسبة لما أضيف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونظير هذا ما جاء في القرآن من وصف رسول الله بالرأفة والرحمة إذ يقول : (( بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ )) ، ووصف الله سبحانه وتعالى نفسه بذلك أيضاً في أكثر من موضع ، فهو سبحانه وتعالى (( رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ )) ، ومعلوم أن الرأفة والرحمة الثانية غير الأولى ، ولما وصف نبيه صلى الله عليه وسلم بذلك الوصف وصفه به بالإطلاق بلا قيد ولا شرط ، لأن المخاطب وهو موحد مؤمن بالله يعلم الفرق بين الخالق والمخلوق ، ولولا ذلك لاحتاج أن يقول في وصفه صلى الله عليه وسلم : رؤوف برأفة غير رأفتنا ، ورحيم برحمة غير رحمتنا أو أن يقول : رؤوف برأفة خاصة أو رحيم برحمة خاصة ، أو أن يقول : رؤوف برأفة بشرية ورحيم برحمة بشرية ، ولكن كل ذلك لم يحصل ، بل أثبت له رأفة مطلقة ورحمة مطلقة بلا قيد ولا شرط ، فقال : (( بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ )) .
التعظيم بين العبادة والأدب ..
يخطئ كثير من الناس في فهم حقيقة التعظيم وحقيقة العبادة ، فيخلطون بينهما خلطاً بيناً ويعتبرون أن أي نوع من أنواع التعظيم هو عبادة للمعظم فالقيام وتقبيل اليد وتعظيم النبي بسيدنا ومولانا ، والوقوف أمامه في الزيارة بأدب ووقار وخضوع ، كل ذلك غلو عندهم يؤدي إلى العبادة لغير الله تعالى ، وهذا في الحقيقة جهل وتعنت لا يرضاه الله ولا رسوله وتكلف تأباه روح الشريعة الإسلامية .
فهذا آدم أول الجنس الإنساني ، وأول عباد الله الصالحين من هذا الجنس أمر الله تعالى الملائكة بالسجود له إكراماً وتعظيماً لما آتاه من علمه وإعلاماً لهم باصطفائه من بين سائر مخلوقاته ، قال تعالى : (( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إَلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَـذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ )) إلى آخر الآية .
وفي آية أخرى قال : (( أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ )) .. وفي آية أخرى : (( فَسَجَدَ الْمَلآئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ )) .. فالملائكة عليهم السلام عظموا من عظمه الله ، وإبليس تكبر أن يسجد لمن خلق من طين ، فهو أول من قاس الدين برأيه وقال : أنا خير منه ، وعلل ذلك بعلة خلقه من نار وخلق آدم من طين وأنف من تكرمته عليه واستنكف من السجود له ، فهو أول المتكبرين ولم يعظم من عظمه الله ، فكان عاقبة تكبره أن طرد من رحمة الله لتكبره على هذا العبد الصالح وهو عين التكبر على الله لأن السجود إنما هو لله إذ هو بأمره ، وإنما جعل السجود له تشريفاً وتكريماً له عليهم وكان من الموحدين فلم ينفعه توحيده .
ومما جاء في تعظيم الصالحين قال الله تعالى في حق يوسف عليه السلام : (( وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّداً )) تحية وتكريماً وتشريفاً وتعظيماً له عليهم ، والسجود من إخوته له إلى الأرض يدل عليه قوله تعالى :
(( وخروا )) . ولعله كان جائزاً في شرعهم ، أو كسجود الملائكة لآدم عليه السلام تشريفاً وتعظيماً وامتثالاً لأمر الله تأويلاً لرؤيا يوسف إذ رؤيا الأنبياء وحي .
أما نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فقد قال الله تعالى في حقه : (( إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ )) ، وقال: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ )) ، وقال : (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ )) الآيات الثلاث . وقال تعالى : (( لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضاً )) ، ونهى عن التقدم بين يديه بالقول وسوء الأدب بسبقه بالكلام ، قال سهل بن عبد الله : لا تقولوا قبل أن يقول ، أي لا تتكلموا قبله ، وإذا قال فاستمعوا له وأنصتوا ، ونهوا عن التقدم والتعجل بقضاء أمر قبل قضائه فيه ، وأن يفتوا بشيء في ذلك من قتال أو غيره من أمر دينهم إلا بأمره ، ولا يسبقوه به ، ثم وعظهم وحذرهم من مخالفة ذلك فقال : (( وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ )) ،
وروى الترمذي عن أنس أن رسول الله ( كان يخرج على أصحابه من المهاجرين والأنصار وهم جلوس ، فيهم أبو بكر وعمر ، فلا يرفع أحد منهم إليه بصره إلا أبو بكر وعمر، فإنهما كانا ينظران إليه وينظر إليهما ، ويبتسمان إليه ويبتسم لهما ) .
وروى أسامة بن شريك قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حوله كأنما على رؤوسهم الطير ، وفي صفته إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير ، وقال عروة بن مسعود حين وجهته قريش عام القضية إلى رسول الله ورأى من تعظيم أصحابه له ما رأى وأنه لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه وكانوا يقتتلون عليه ولا يبصق بصاقاً ، ولا يتنخم نخامة إلا تلقوها بأكفهم فدلكوا بها وجوههم وأجسادهم ،
مفاهيم في العقيدة يجب أن تصحح .. (12) وجدي أبوراس
ولا تسقط منه شعره إلا ابتدروها وإذا أمرهم بأمر ابتدروا أمره وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون إليه النظر تعظيماً له ، فلما رجع إلى قريش قال : يا معشر قريش إني جئت كسرى في ملكه وقيصر في ملكه والنجاشي في ملكه ، وإني والله ما رأيت ملكاً في قوم قط مثل محمد في أصحابه ، وفي رواية : إن رأيت ملكاً قط يعظمه أصحابه ما يعظم محمداً أصحابه ، وقد رأيت قوماً لا يسلمونه أبداً.
والحاصل أن هنا أمرين عظيمين لابد من ملاحظتهما ، أحدهما : وجوب تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم ورفع رتبته عن سائر الخلق ، والثاني إفراد الربوبية واعتقاد أن الله تبارك وتعالى منفرد بذاته وصفاته وأفعاله عن جميع خلقه فمن اعتقد في مخلوق مشاركة الباري سبحانه وتعالى في شيء من ذلك فقد أشرك – كالمشركين الذين كانوا يعتقدون الألوهية للأصنام واستحقاقها العبادة ، ومن قصر بالرسول صلى الله عليه وسلم عن شيء من مرتبته فقد عصى أو كفر .
وأما من بالغ في تعظيمه صلى الله عليه وسلم بأنواع التعظيم ، ولم يصفه بشيء من صفات الباري عز وجل فقد أصاب الحق وحافظ على جناب الربوبية والرسالة جميعاً ، وذلك هو القول الذي لا إفراط فيه ولا تفريط .
وإذا وجد في كلام المؤمنين إسناد شيء لغير الله تعالى يجب حمله على المجاز العقلي ، ولا سبيل إلى تكفيرهم ، إذ المجاز العقلي مستعمل في الكتاب والسنة .
وأخيراً : عقيدتنا هى إياك نعبد وإياك نستعين ..
إننا نعتقد اعتقاداً جازماً لازماً لا شك فيه ولا ريب أن الأصل في الاستعانة والاستغاثة والطلب والنداء ،
والسؤال هو أن يكون لله سبحانه وتعالى فهو المعين والمغيث والمجيب .
قال الله تعالى : (( لاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِّنَ الظَّالِمِينَ وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ)) وقال : (( فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ )) .
وقال تعالى : (( وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ )) .
وقال تعالى : (( أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ )) .
فالعبادة بجميع أنواعها لابد أن تصرف لله وحده ولا يجوز صرف شيء منها لغير الله كائناً من كان ؛
(( قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ )) .
فلا نذر إلا لله ولا دعاء إلا له ولا ذبح إلا له ولا استغاثة ولا استعاذة ولا استعانة ولا حلف إلا بالله ولا توكل إلا عليه سبحانه وتعالى عما يشرك به المشركون علواً كبيراً .
ونحن نعتقد أن الله هو الخالق للعباد وأفعالهم لا تأثير لأحد سواه لا لحي ولا ميت ، وليس لأحد مع الله فعل أو ترك أو رزق أو إحياء أو إماتة ، وليس حد من الخلق قادراً على الفعل أو الترك بنفسه استقلالاً دون الله أو بالمشاركة مع الله أو أدنى من ذلك .
فالمتصرف في الكون هو الله سبحانه وتعالى ولا يملك أحد شيئاً إلا إذا ملكه الله ذلك وأذن له في التصرف فيه ، ولا يملك أحد لنفسه فضلاً عن غيره نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا نشوراً إلا ما شاء الله بإذن الله فالنفع والضر حينئذ محدود بهذا الحد ومقيد بهذا القيـد ونسبتـه إلى الخلق على سبيـل التسبب والتكسب لا على سبيل الخلق أو الإيجاد أو التأثير أو العلـة أو القوة والنسبـة في الحقيقـة مجازيـة ليست حقيقية ، ولكن الناس يختلفون في التعبير عن هذه الحقائق، فمنهم من يسرف في استعمال المجاز إسرافاً شديداً حتى يقع في شبه لفظية هو منها برئ وقلبه سليم منعقد على كمال التوحيد والتنزيه لله سبحانه وتعالى .
ومنهم من يتمسك بالحقيقة تمسكاً زائداً عن حد الاعتدال فيصل به إلى التعنت والتشدد والإساءة إلى الناس بمعاملتهم على خلاف معتقدهم وحملهم على ما لا يقصدون وإلزامهم بما لا يريدون والحكم عليهم بما هم عنه بريئون والواجب الاعتدال والبعد عن كل ذلك فهو أسلم للدين وأحوط في حماية مقام التوحيد . والله أعلم .
مفاهيم في العقيدة يجب أن تصحح .. (13) وجدي أبوراس
دعوى باطلـة ..
أما دعوى أن الميت لا يقدر على شيء فهي باطلـة لأنـه إن كان ذلك لكونهم يعتقدون أن الميت صار ترابـاً فهذا عين الجهل بما ورد عن نبينـا صلى الله عليه وسلم بل عن ربنا جل جلاله من ثبوت حياة الأرواح وبقائها بعد مفارقة الأجسام ومناداة سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم - لها يوم بدر :( يا عمرو بن هشام ويا عتبة بن ربيعة ويا فلان ابن فلان إنا وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً فقيل له : ما ذلك ؟ فقال : ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ) . ومن ذلك تسليمه على أهل القبور ومناداته لهم بقوله : ( السلام عليكم يا أهل الديار ) .
ومن ذلك عذاب القبر ونعيمه ، وإثبات المجئ والذهاب إلى الأرواح إلى غير ذلك من الأدلة الكثيرة التي جاء بها الإسلام وأثبتتها الفلسفة قديماً وحديثاً .
ولنقتصر هنا على هذا السؤال :
أيعتقدون أن الشهداء أحياء عند ربهم كما نطق القرآن بذلك أم لا ؟ فإن لم يعتقدوا فلا كلام لنا معهم لأنهم كذبوا القرآن حيث يقول : (( وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ )) ، وإن اعتقـدوا ذلـك فنقـول لهـم : إن الأنبيـاء وكثيراً من صالحي المسلميـن الذيـن ليسـوا بشهـداء كأكابـر الصحابـة أفضـل من الشهداء بلا شـك ، فإذا ثبتـت الحيـاة للشهـداء فثبوتها لمن هـو أفضـل منهم أولى على أن حياة الأنبياء مصرح بها في الأحاديث الصحيحة .
فإن كانوا لا يعرفون إلا المحسوسات ولا يعترفون إلا بالمشاهدات فهذا هو شأن الطبيعيين لا المؤمنين على أننا نتنزل معهم ونسلم لهم أن الأرواح بعد مفارقة الأجساد لا تستطيع أن تعمل شيئاً ولكن نقول لهم : إذا فرضنا ذلك وسلمنا جدلاً فلنا أن نقرر أنه ليست مساعدة الأنبياء والأولياء للمستغيثين بهم من باب تصرف الأرواح في هذا العالم ، بل مساعدتهم لمن يزورهم أو يستغيث بهم بالدعاء لهم كما يدعو الرجل الصالح لغيره ، فيكون من دعاء الفاضل للمفضول ، أو على الأقل من دعاء الأخ لأخيه ، وقد علمت أنهم أحياء يشعرون ويحسون ويعلمون ، بل الشعور أتم والعلم أعم بعد مفارقة الجسد لزوال الحجب الترابية وعدم منازعات الشهوات البشرية .
وقد جاء في الحديث : أن أعمالنا تعرض عليه صلى الله عليه وسلم فإن وجد خيراً حمد الله وإن وجد غير ذلك استغفر لنا ، ولنا أن نقول : إن المستغاث به والمطلوب منه الإغاثـة هو الله تعالى ، ولكـن السائـل يسـأل متوسـلاً إلى الله بالنبي صلى الله عليه وسلم في أنـه يقضي حاجتـه ، فالفاعـل هـو الله ، ولكـن أراد السائـل أن يسأله تعالى ببعض المقربين لديه الأكرمين عليه ، فكأنه يقول : أنا من محبيه ( أو محسوبيه ) فارحمني لأجله وسيرحم الله كثيراً من الناس لأجل النبي صلى الله عليه وسلم وغيره من الأنبياء والأولياء والعلماء .
وبالجملة فإكرام الله لبعض أحباب النبي صلى الله عليه وسلم لأجل نبيه بل بعض العباد لبعض ، أمر معروف غير مجهول ، ومن ذلك الذين يصلون على الميت ويطلبون من الله أن يكرمه ويعفو عنه لأجلهم بقولهم : وقد جئناك شفعاء فشفعنا .
أسأل الله العلى القدير يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه ، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه ، ويعلمنا ما ينفعنا ، وينفعنا بما يعلمنا ، وأن يدخلنا جميعاً برحمته في عباده الصالحين ، وصل اللهم وسلم على البشير النذير وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
الكاتب : وجدي عبد اللطيف أبوراس
في : 28 ــ 03 ــ 2008 مسيحي
مفاهيم في العقيدة يجب أن تصحح .. (14) وجدي أبوراس
السبت، 20 مارس 2010

بسم الله الرحمن الرحيم
أبناؤنا والتربيه الدينيه ..
يفرح الوالدين عندما يرزقهم المولى أطفالاً يملئوا حياتهم بهجة وسرور ، ويسعا كلاً منهما إلى الاهتمام بهم في شتى الأمور ، وأفضل ما ينبغي على الوالدين الاهتمام به لهؤلاء الأطفال التربية الحسنة ، وأعني بالتربية هنا التربية الدينية التي إن صحت كما ينبغي من خلال ترسيخ العقائد الدينية في عقولهم ، وتنويرهم تدريجياً بالأحكام الشرعية منذ بدأ تعليمهم الأولي مع الأخذ في الاعتبار المرحلة العمرية وما يجب أن يتعلم الطفل خلالها من أمور دينيه فبإذن الله سوف يكون أساسهم قوي يتحمل ما يبنى عليه خلال سنوات عمرهم المستقبلية ،
بمعنى أن التربية الدينية أول ما ينبغي للوالدين الاهتمام به عند تربيه فلذات أكبادهم ، فمن أحسن هذه التربية كانت باقي التربيات تبعاً لها لما تضمنه الدين الحنيف من منهج سليم يتماشى مع الفطرة الانسانيه ، ويتأقلم مع النفس البشرية ليقودها إلى بر الأمان ، فالتربية الدينية عندما نعلمها لأبنائنا منذ بداية طفولتهم تترك في نفوسهم أثر إيجابي يستمر معهم طوال سنوات عمرهم التي قدرها المولى لهم في هذه الحياة ، وقد ذُكر في هذا الشأن من الأقوال الكثير التي منها ما قاله الإمام الغزالي رحمة الله تعالى [ إن قلب الطفل فارغ ، صافي ، له ميل فطري لتلقي كل شيء ، والميل إلى كل شيء ] أما ابن سينا فبقول [ عند ولادة الطفل تولد معه جملة من القدرات يتعين تطويرها ] بمعنى أن التوجيه الذي يلقاه الطفل من والديه هو الأساس الذي ينشأ عليه ، فإن وجه نحو الخير كان صالحاً ، أما إذا وجه نحو الشر كان والعياذ بالله من الخاسرين ، أما بديع الزمان فيقول [ إن الطفل إذا لم يتلقى في طفولته دروساً إيمانيه حيه فإن نفسه بعد ذلك يصبح من العسير عليها تقبل الإسلام وأركان الإيمان ] والطفل في مراحل حياته الأولية يحب أن يقلد من حوله وأقرب المقربين إليه والديه فتراه يتخذهم قدوة له بالفطرة ، ويطبق ما يراهم يقومان به من أعمال وسلوكيات في واقع محيطه الصغير ، وقد توصل علماء النفس بعد دراسات مستفيضة إلى أن القدوة الحسنة هي أفضل وسيلة نستطيع من خلالها تعليم فلذات أكبادنا المنهج السليم ، مع أن المولى سبقهم بذلك وأخبر به في الكتاب الحكيم في عدة مواضع منها قوله تعالى { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنه ....} وقوله تعالى { لقد كان لكم فيهم أسوه حسنه لمن كان يرجو الله واليوم الآخر .... } وهذا عمرو بن عقبه يطلب من مؤدب ولده [ ليكن أول إصلاحك لولدي إصلاحك لنفسك ، فإن عيونهم معقودة بك ، فالحسن عندهم ما صنعت ، والقبيح عندهم ما تركت ] والإسلام لم يهمل الطفل في تربيته بل وضع له النظم التي ينبغي على الوالدين السير عليها لينشأ نشأة إسلامية صحيحة أوضحتها آيات القران الكريم والأحاديث النبوية الشريفة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام فتربية الذرية مسئوليه وأمانة يٌسأل عنها الوالدان يوم القيامة روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( كلكم راع ، وكل راع مسئول عن رعيته ...) الحديث .
فالأبوان بحاجة إلى أن يحفوا أبناءهم بدعوات صادقة بأن يصلحهم الله تعالى ويوفقهم في دينهم ودنياهم.
أما الأمر الثاني فهو ضرورة التعبد لله تعالى في تربية الأولاد، واحتساب الأجر عند الله تعالى فيما ينفقه عليهم، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من كان عنده ثلاث بنات فرباهن وعلمهن وأطعمهن كن له حجابا من النار" أو كما قال صلى الله عليه وسلم، فالإنسان إذا أخلص النية لله في تربية الأولاد أصبح كل ما ينفقه عليهم من مال وما يبذله من جهد في ميزان حسناته يوم القيامة يجده مع أجر الصلاة والزكاة والصيام والتطوع وغير ذلك من سائر العبادات . و بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن العبد ليرفع في الجنة درجات، فيقول يا رب بم هذا ولم أعمل ما يقربني لها ؟ فيقول الله له: هذا بدعاء ولدك الصالح لك ) أو كما قال صلى الله عليه وآله وسلم، وكلنا يعلم قوله عليه الصلاة والسلام : ( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له ) . وإذا كان الابن فاسدا لم ينشأ على طاعة الله فمن أين يدعو لوالديه بعد مماتهما .
وجدي عبد اللطيف أبوراس
إلى الشباب الاختيار الناجح للزوجة الصالحة

بســـم الله الرحــمــن الرحـــيم
الاختيار الصالح للزوجة الصالحة ( خطبة المرأة )
لاشك في أن العلاقة التي تجمع الرجل والمرأة تحت سقف واحد في عش الزوجية هي علاقة تكاملية أساسها المودة والرحمة ولهذا كان لكل منهما دور جد مهم في هذه العلاقة ، والمعول على ذلك هو في الاختيار الأول لذلك الشريك وما يترتب عليه من ثمار ولما كانت هذه العلاقة علاقة تكامل وتجانس ، كان لابد لها من أساس يربط ويبارك هذه العلاقة في مسيرتها نحو الغاية النبيلة .
ولا أجد بد في أن أقول أن هذا الأساس الذي يوطد هذه العلاقة المباركة هو : حب الله ورسوله وطاعتهما في تناغم مشترك بالتعاون على البر والتقوى ، مما يؤدي بهما إلى الانسجام الفطري البسيط ، فتطبع المودة والرحمة فيما بينهما طابعها المبارك .
ولهذا قال الحق : أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين .
ولقد خبرنا أسلوب متبع في الاختيار الناجح للزوجة الصالحة توافق الحياة العصرية ، وهي ثمرة لتجارب قطفناها لما نوليه من اهتمام بالغ بهذا الشأن ، ويتحدد هذا الأسلوب بأربع خطوات أساسية : .
الخطـوة الأولـى : . يقول النبي الكريم سيدنا محمد المرشد الأول مشيراً علينا بقوله : ( تخيروا لنطفكم ، فإن العرق دساس )
ويوضح لنا أيضاً في حديث آخر محور الارتكاز الذي يتم به الاختيار فيقول :
( تنكح المرأة لأربع ، لمالها ، ولجمالها ، ولحسبها ونسبها ، ولدينها ، فاظفر بذات الدين تربت يداك ) .
وتجده مرة أخرى يشير علينا فيقول : ( تزوجوا الودود الولود ، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة ) .
ومن ثم يجب عليك أولاً في الاختيار أن يكن اختيارك لعائلة الفتاة التي تكون الكلمة العليا فيها للرجل ، سواء أكان أباً ، أو أخاً ، أو عماً ، بشرط أن يكون عادلاً ومنصفاً للحق .. ليتحقق قوله تعالى : الرجال قوامون على النسـاء بما فضل الله بعضهم على بعض .
الخطـوة الثانيـة : . سؤال الشاب المتقدم للخطبة ، عن الفتاة وأسرتها .. عن أخلاقها ، وسلوكها ، ودينها .
وهنا دعونا أن نقف معاً لحظات لنعي حقيقة هذه الخطوة ، فالأمر يتطلب الفطنة والحكمة .
أقول إن عملية السؤال عن الفتاة وأسرتها لم تعد تلك العملية التقليدية كما عهدنا عن آباءنا وأجدادنا من قبل ، فالأمر بات متغيراً تماماً ، فلم يعد العصر عصر ارتجال واندفاع ، لقد خلا من ذلك تماماً ، فلقد أصبح العصر عصر تنظيم واستهداف .
فالسؤال يجب أن يكون لأهل الحكمة والأمانة ممن يتحرون الصدق في أعراض الناس ، وعلى السائل أن يكون مستعيناً بقول النبي : ( استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان ) .
الخطـوة الثالثـة : . المقابلة للفتاة وبوجود محرم .. بأن تنظر إليها ، وترى وجهها وكفيها .. وتتحدث إليها وترى : مدى قبولك لها ، وقبولها لك ، ومستواها العقلي والفكري والنفسي وغيره ، فعن المغيرة بن شعبة أنه خطب امرأة فقال له النبي :( أنظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما )
ويجب على المتقدم للخطبة أن ينتبه إلى ثلاثة أشياء هي غاية في الأهمية :.
- أن يعرف أولاً مآرب الفتاة ومقاصدها في الزواج .. وهذا يتطلب منه شيء من الفطنة والذكاء والرزانة .
والمقصد السوي للفتاة من الزواج هو : صيانة عرضها وعفة نفسها ، بفتح بيت وأسرة لإنجاب أبطال أتقياء
أوفياء مع الله ، وليس لأغراض أخرى كالتي تجعل من زواجها جسر عبور تعبر به إلى مآربها .
- أن تكون ذات دين مطيعة لله وتخافه .
- وضوح أمثل ، وصراحة مطلقة إلى حد ما ، مبادرة أولى منه ، لأنها طوق النجاة في هذا المشروع فلينتبه
وكما يجب أن يكون شروط سالك الطريق صدق السريرة ، ودليلها المؤكد الصراحة والوضوح ، فإنها لا شك أنها تتأكد في هذا المشروع العظيم .
الخطـوة الرابعـة : . صلاة الاسـتخارة .. كما يقول النبي الكريم : ( إذا سئلت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله ) ..
ويقول الحق تبارك وتعالى : (( الذين امنوا وعلى ربهم يتوكلون )) .
ولم يبق لنا إلا أن نذّكر بالحديث الشريف ، فعن عبادة بن الصامت قال :
قال رسول الله :( اضمنوا لي ستاً أضمن لكم الجنة : أصدقوا إذا حدثتم ، وأوفوا إذا وعدتم ، وأدوا إذا ائتمنتم ، واحفظوا فروجكم ، وغضوا أبصاركم ، وكفوا أيديكم ) .
===================
وجدي عبد اللطيف أبوراس
رسالة نصرة النبي الصادق في الرد على إساءة الدنمارك

****************************************************
****************************************************
رســــالـــــة
نُصرَة النبي الصادق
في
الردِ على إساءةِ الدنمارك
تـــألـيــف
وجــدي عبـد اللطــيف سالم أبوراس
2008 م
---------------------------------------------------------------------------------
نصرة النبي الصادق في الرد على إساءة الدنمارك ( 5 )
بـســــم الله الرحـمــــن الرحـــيــم
الحمد لله المتفرد باسمه الأسمى ، المختص بالملك الأعز الأحمى ، الذي ليس دونه منتهى ، ولا وراءه مرمى ، الظاهر لا تخيلاً ولا وهما ، الباطن سبحانه تقدساً لا عدما ، وسع كل شيء رحمة وعلما ، وأسبغ على أوليائه نعمّاً عمّاً ، وبعث فيهم رسولاً من أنفسهم عرباً وعجماً ، وأزكاهم صلى الله عليه وسلم محتداً ومنمى ، وأرجحهم عقلاً وحلماً ، وأوفرهم علماً وفهماً ، وأقواهم يقيناً وعزماً ، وأشدهم بهم رأفةً ورُحمى ، وزكّاه روحاً وجسماً ، وحاشاه عيباً ووصماً ، وآتاه حكمةً وحُكماً ، وفتح به أعيناً عُمياً ، وقلوباً غُلفاً وآذاناً صُماً ، فآمن به وعزره ونصره من جعل الله له في مغنم السعادة قسماً ، وكذّب به وصدّ عن آياته من كتب الله عليه الشقاء حتماً ، فالقائل :
لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين
ونصلي ونسلم بمحبة وإكبار ، وتعظيم وإجلال ، على سيد الأولين والآخرين ، سيدنا محمد ابن عبد الله ، رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن والاه .
أما بعد ،،،
إلا رسول الله ، إلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ..
قُل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون ، لا تعتذروا قد كفرتم
إنَّ الذين يؤذون الله ورسوله لعنـهـم الله في الدنيا والآخرة وأعدَّ لهم عذاباً مُهيناً ...
( 6 ) نصرة النبي الصادق في الرد على إساءة الدنمارك
يا من ملأتُم أقلامكم بنداءٍ نجسٍ قذرٍ عفن ..
فبملغ العلم فيه أنه بشرٌ وأنه خير خلق الله كلهم
آهٍ يا مسلمون . . يتطاول الأقزام على النبي الإمام ، وينال السفهاء من سيد الأنبياء ؛ إلى هذا الحد ! يُسيئون لسيدنا المصطفى ، على مرآى ومسمعٍ من العالم المتحضر ، الذي قُدِّم لنا على أنه نموذج الحضارة وإكسير السعادة ، يُسيئون لسيد الكائنات ، بدعوى حرية التعبير المزعومة .
واللهِ أنا أتحدَّى قزماً من هؤلاء ، أن يتطاول على قسيس أو على حاخام أو أحد الرهبان ! والذي يُدمِ القلب ، ويحزن النفس ، أن يتعاطف مع هذه التي يسمونها الدنمارك كل دول أوروبا بالأمس القريب ، بل وأمريكا التي تدعي أنها رائدة الحضارة الإنسانية في العصر الحديث ! . لماذا ؟ ..
لأنَّ المسلمين همجيون ، متطرفون ، أصوليون ، فوضيون ،لا يعيشون إلا في عصور الظلام ، لا يعيشون عصور الديمقراطية المشؤومة ، ولا يعرفون حرية التعبير المزعومة لمجرد أنهم قاموا على قلب رجل محب واحد للحبيب ، ليعلنوا عن غضبهم لحبيبهم ونبيهم ؛ بل وتُهدِّدُ أمريكا ، بقطع المعونات عن الدول الإسلامية .
وبكلِّ بجاحة خرج علينا الكافر الحقود بوش رئيس أمريكا السابق ليهدِّد بوقاحة ويقول : على العالم الإسلامي أن يحترم نفسه ويحترم حقوق الدبلوماسيين !
نصرة النبي الصادق في الرد على إساءة الدنمارك ( 7 )
أرأيتم يا مسلمون ! .. إنه سياسة الكيل بمكيال واحد ، ولا تصدِّقوا من يقول سياسة الكيل بمكيالين ، إنها سياسة الكيل بمكيال واحد ، إنها سياسة العداء لسيد الكائنات ، والعداء للإسلام .
فلماذا لم يوجَّه هذا للدنمارك ؟ .. لماذا يا إخوة ؟ .. لأنَّ الكفرَ ملةٌ واحدة .
فو الله الذي لا إله إلا هو ؛ لن ينصر الكفر توحيداً ولا إيماناً قط ! .
في زمن الردة والبهتان ارسم واكتب
ما شـــئت ولا تخجـــــل فالكفــــــــر مباح يا فنان
فزمان الردة نعرفه ، بلا نكــــــــــــــران
إن ضلّ القلب فلا تعجب أن يسكن فيه الشيطان
أســــــــــــــألك بربك يا فنـــــــــــــــــــــان
هل تجرؤ أن تكســـــــر يوما ً أحــد الصــلبــــــــــان
خـــــــبرنـــــي يوماً يا فنـــــــــــــــــــــــــان
حين تفيق من الهذيان ، هل هذا حق الإنســــــــان ؟
أن تشـــــعل حقدك بالإســــــــــــــــــــــلام
أن تشعل نارك في القرآن ، أن تسخر بحبيب الرحمن !
قم واسفر بين الأوثان ، فمحمد باق ما بقيت دنيا الرحمن
وسيعلو قول الله في كل زمـــــــــان ومكـــــــان
وأنا أسأل الآن ؛ من المتطرف ، ومن الإرهابي الآن ؟ حين يُساء لنبينا ونُعبِّر ؟ .. نُتَّهم بالتطرف !!
( 8 ) نصرة النبي الصادق في الرد على إساءة الدنمارك
ولكنني أقول : إن تخلَّى أهلُ الأرضِ عن سيدنا رسول الله ، فإن ربَّهُ الذي بعثه وتولاه ، لن يتخلَّى عنه أبداً ، فلا تتخلّوا أيها المسلمون عن من لن يتخلَّى عنه الله ، حتى لا يتخلَّى عنكم ربكم تبارك وتعالى
لابدَّ أن تتضافر الآن للجهود ، للذبِّ عن الحبيب المحبوب .
فلا إن نال الأقزام من قمة القمم ، ومن ذرة تاج الجنس البشري كله ، فلن يستطيعوا أبداً أن يصلوا إلى هذه السماء العالية ، وإلاّ فهل تصل إلى السماء يدٌ شلاّ !
يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون
هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون
فالذي سيتولى الدفاع كما دافع عن سيدنا المصطفى قبل ذلك هو الله
القائل سبحانه : والله يعصمك من الناس ،
والقائل سبحانه : إنا كفيناك المستهزئين .
فما تطاول بشرٌ على سيد البشر ، إلاّ واقتصّ الله منه لحبيبه في الدنيا قبل الآخرة ؛
أُعلِنُها بملءِ فمي ، في الدنيا قبل الآخرة ، سيقتصّ الله لحبيبه المصطفى في الدنيا قبل الآخرة ، هذا وعد الله جل جلاله ؛ فقدر سيدنا المصطفى عند ربنا كبير ، ومكانته عنده عظيمة .
نصرة النبي الصادق في الرد على إساءة الدنمارك ( 9 )
روى البخاري ومسلم من حديث أنس رضى الله عنه :
" أن رجلاً نصرانياً على عهد النبي أسلم وقرأ سورة البقرة وسورة أل عمران ، وكان يكتب للنبي ، ثم تنصّر مرة أخرى وقال ما كان محمد يعرف إلاّ ما أكتبه له ، فأماته الله ، فدفنه أصحابه ، فأصبحوا وقد لفظته الأرض ، أي وجدوا جثته على سطح الأرض ، كرهته الأرض ولم تقبله في بطنها ، فقالوا هذا فعل محمد وأصحابه ، فأعمقوا له في الأرض ما استطاعوا ، فأصبحوا وقد لفظته الأرض ، فعرفوا أنه ليس من فعل إنسان ، في لفظ مسلم : فتركوه منبوذاً " .
نعم منبوذٌ في الدنيا والآخرة كلُ من نال سيدنا رسول الله .
نعم أن الله تبارك وتعالى يتولى الدفاع عن حبيبه المصطفى ، لكن ليس معنى هذا أن يتخلى المسلمون عن نصرته .
فقد قال تعالى : هو الذي أيّدك بنصره وبالمؤمنين .
وقال تعالى : إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنوا في الدنيا والآخرة وأعدّ الله لهم عذاباً مُهيناً .
فكل من آذى المصطفى ملعون ، وكل مؤمن صادق مأمور بنصرة نبيه .
أيها المسلمون ...
إننا نشهد الآن حرباً على هذه العقيدة الطاهرة ، لكنها حرب من نوع خبيث جديد ، إنها حرب فكرية ثقافية عقدية .
إن المجرمين يعلمون الآن ، أن أخطر وسائل محاربة هذه العقيدة ، هى الحرب الفكرية الإعلامية ، فهم يشنون الآن حرباً هوجاء ، لا على الفرعيات و الجزئيات ، بل على الثوابت والأصول والأركان والكليات .
( 10 ) نصرة النبي الصادق في الرد على إساءة الدنمارك
وأستطيعُ أن أُبيّن في نقاط محددة الخطوات الخبيثة والمراحل الخطيرة لهذا المنهج المدروس ولهذا المخطط الخبيث : _
أولاً : بدأوا هذا المخطط الخبيث بإعلان الحرب على النص ، مع التضخيم المستمر والمتعمد للعقل ، حتى جعلوا العقل إلهاً يعبد من دون الله جل جلاله ، ليسقطوا بالعقلانية المزعومة قدسية النصوص ، ولو كانت النصوص ثابتة في القرآن والسُنة ؛ بل أعلنوا ذلك صراحةً فقالوا : " لابدّ من إلغاء القاعدة المتفق عليها والتي تقول : ( لا اجتهاد مع النص ) ، لأن هذه القاعدة شكّلت حجر عثرة على العقل البشري الذي أبدع في عصر الألفية الثالثة أو أواخر العصر المنصرم .
لقد أبدع العقل إبداعاً ، فجّر الذرة ، وغاص في أعماق البحار ، وانطلق في أجواء الفضاء ، وحوّل العالم كله إلى قرية صغيرة عن طريق هذا التكنيك المذهل في عالم الاتصالات والمواصلات .
فهذا العقل لا ينبغي أن يُقال له لا اجتهاد مع النص ، بل يجب على هذا العقل المبدع أن يجتهد مع النص ، ولو كان النص ثابتاً في القرآن أو في سُنة النبي المختار .
وأنا أقول .. لا ينبغي أن يفهم العلمانيون المجرمون أننا نريد أن نسقط مكانة العقل ، كلا كلا ، بل إن نور الوحي لا يطمس نور العقل أبداً ، بل يبارك نورُ الوحي نورَ العقل ، ويزكي الوحي العقل ويحتفي به أيُما احتفاء ، ويُلفت القرآن الأنظار إلى مكانة العقل والتعقل والتدبر في آيات كثيرة ، أفلا يعقلون ، أفلا يتدبرون ، قل سيروا في الأرض فانظروا ، إنَّ في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنّهار لآيات لأولي الألباب آياتٌ وآيات .
نصرة النبي الصادق في الرد على إساءة الدنمارك ( 11 )
لكن ليس معنى ذلك ، أن يصبح العقل حاكماً على النص القُرآني والنبوي ، إيتوني بعقل يتعرف على ذات الله ، وعلى أسماءه الحُسنى وصفاته العُلى ، وعلى أركان ديننا وأصول إسلامنا دون أن يرجع إلى النقل " النص القُرآني والنبوي " ؛
ورحم الله ابن القيّم إذ يقول :
لا يستقل العقل دون هداية الوحي تأصيلاً ولا تفصيلاً
كالطرف دون النور ليس بمدرك يراه بُكرة ً وأصيلاً
نور النبوة مثل نور الشمس للعين البصيرة فاتّخذه دليلاً
فإذا النبوة لم ينلك ضياءها فالعقل لا يهديك قطُّ سبيلاً
طرق الهُدى محدودةٌ إلاّ على من أمّ هذا الوحي والتنزيلَ
فإذا عدلت عن الطريق تعمُدا ، فاعلم بأنك ما أردت وصولا
يا طالباً درك الهُدى بالعقل دون النقل لن تلقى لذاك دليلا
أصبح العقل إلهاً يُعبد من دون الله ، مع التقليل والتصغير والتحقير من شأن النص ولو كان ثابتاً في القرآن والسُنة .
وبالرغم من هذا لم يفلحوا ، فإنهم يكيدون كيداً ، والله يكيد لهم كيداً ويمهلهم رويداً
ثم تجاوزوا هذه المرحلة الأولى من مراحل هذا المخطط الخبيث إلى المرحلة الثانية ألا وهى : التشكيك في من نقل إلينا النص دون أدنى خجل ولا وجل ؛
فهم يتطاولون على القمم ، فيسبّون الصحابة علناً دون أدنى خجلٍ ولا وجل ،
والله تعالى يُزكي الصحابة فيقول : والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتّبعوهم بإحسان رضى الله عنهم ورضوا عنه وأعدّ لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم .
(12) نصرة النبي الصادق في الرد على إساءة الدنمارك
وقال سيدنا المصطفى كما في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري : ( لا تسبّوا أصحابي ، فو الذي نفس محمد بيده ، لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفة ) .
وبالرغم من ذلك لم يفلحوا ، فإنهم يكيدون كيداً ، والله يكيد لهم كيداً ويمهلهم رويداً
ثم تجاوزوا هذه المرحلة الثانية إلى المرحلة الثالثة ، ألا وهى مرحلة الطعن المباشر ، والتشكيك في سُنّة سيدنا النبي عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام .
نعم شكّكوا في السُنة ، بدعوى أن فيها الضعيف والموضوع ، وبدعوى أن السُنة تحوي من الأحاديث ما يصطدم اصطداماً مباشراً مع النظريات العلمية المعاصرة الحديثة ، وزعموا أن القرآن وحده يكفي ، وهم يعلمون علم اليقين أنهم بذلك يريدون بعد هذه المرحلة كما سأُبيّن ، يريدون بإسقاط السُنّة أن يسقطوا القرآن ، لأن القرآن لا يمكن بحال أن يُفهم بعيداً عن سُنّة سيد الرجال ..
ورحم الله من قال ألا وهو الإمام الأوزاعي العلم : ( القرآن أحوج إلى السُنّة ، من السُنّة إلى القرآن ) .. ولما لا ؟ وقد قال الله تبارك وتعالى : وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب .
وبالرغم من هذا أيضاً لم يفلحوا ، بل أثبت الله فشلهم .
ثم انتقلوا إلى المرحلة الرابعة ، ألا وهى مرحلة الطعن في القرآن ، نعم في القرآن الكريم ، للطعن في عقيدة التوحيد والموحدين ، في الوقت الذي تشن فيه الحرب على الأطهار بصورة هوجاء ، إنها حرب إسقاط رموز هذه الأمة أيها الأخيار الأبرار .
لماذا ؟ .. إنه التحالف مع الشيطان أيها الموحدون المؤمنون !
واللهِ وأقسمُ بالله غير حانت أيها المسلمون ، واللهِ ما سبَّ إبليس رب العزة ؛
نصرة النبي الصادق في الرد على إساءة الدنمارك ( 13 )
من قال ؟ كما قال الكبير المتعال حكايةً عن إبليس الملعون الرجيم ، ماذا قال الشيطان ؟ قال الله تعالى حكايةً عنه : كمثل الشيطان إذ قال للإنسـان اكفر . فلمّا كفر قال إني بريءٌ منك إني أخاف اللهَ ربَّ العالمين .
وتدبر معي قول رب العالمين حكاية عن إبليس اللعين : وقال الشيطان لمّا قُضى الأمر إنَّ اللهَ وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلاّ أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخيّ إني كفرت بما أشركتمونِ من قبل إنَّ الظالمين لهم عذابٌ أليم .
واللهِ ما سبَّ إبليس رب العالمين ، وما سبَّ إبليس أحداً من المرسلين ، كلا ورب الكعبة ، هؤلاء ألعن من إبليس ، فهؤلاء الأبالسة الذي يتعلم اليوم منهم إبليس اللعين هم ألعن منه وأوقح منه .
فلنعرِّف الدنيا كلَّها عظمة رسول الله ومكانة رسول الله وأخلاق رسول الله ..
فيجب وجوباً على كل مسلم ومسلمة اليوم ، أن يبين عظمة سيدنا رسول الله الآن على أرض الواقع ، وأن يذكِّر الأمة بحرمة سيدنا رسول .
أيها المسلمون .. أيها الشباب ..
نُصرَةُ النبي ليست حماساً فوَّاراً مؤقتاً ، فقلوبنا تنزف مع كل أزمة تمر بها الأمة ، تهيج الأمة وتصرخ وتهتف بحناجر ملتهبة غاضبة ؛ وهذا شعورٌ لا أقللُّ من شأنه ولا ينبغي لأي حاقدٍ أن يقللَّ من المشاعر الفياضة الجياشة التي يجسّد بها الصادقون حبهم لرسول الله .
( 14 ) نصرة النبي الصادق في الرد على إساءة الدنمارك
لكنَّ الذي يُدمِ القلب ، ويُحزن النفس ، أن تتوقف هذه المشاعر وأن تتجمد بعد شهرٍ أو شهرين ، كما هو واقع ، ويتناسى كثير من المسلمين الحدث وكأنَّ شيئاً لم يكن ، وهذا أمر متكرر .
فيجب أن نقيم حداً لهؤلاء المهازيل من البشر ، فلا من الأدب مع سيدنا رسول ، بل وحتى مع أنفسنا أن نقف مكتوفي الأيادي .
لذا فأنا أقول : النصرة الحقيقية لسيدنا رسول الله في عدة نقاط محددة :
أولاً : المقاطعة الفكرية أيها الشاب المسلم ، فالشرق والغرب الآن يسبُّ نبيك أيها الشاب المسلم ، يسبُّك أنت ، فكيف تقلِّد هذا الغرب ، كيف تقلِّد الشاب الغربي في قصة شعره ، وفي ملبسه ، وفي سلسلة في رقبته ، وأخطر من هذا في فكرك وهويتك ، فكيف تعتزُّ به .
ثانياً : المقاطعة الاقتصادية التي تناسيناها ، ويجب أن تكون لكل البضائع الغربية بلا استثناء ، وأولها بضائع الدنمارك ، ثم هولندا وألمانيا وأمريكا وإسرائيل ، على قدر حبك للمصطفى على قدر مقاطعتك لبضائعهم فقس أنت على ذلك ، وهنا يكمن حبك لنبيك ، فهيا برهن حبك الذي تزعم .
فأقلَّ ما تستطيع عمله هو أن تقاطع بضائع من يحاربونك ، من يحاربون نبيك ويحاربون الإسلام والمسلمين ...
هيّا من الآن .. دقق الفحص وأمعن النظر في كل ما تشتريه من البضائع ، قبل أن تشتري دقق من أين جاءت هذه البضاعة ، ولتكن عادة ، ولتعلّمها أحبابك ، حتى يعلم الغرب الحاقد قدر رسول الله عندنا .
نصرة النبي الصادق في الرد على إساءة الدنمارك ( 15 )
فهذه مسؤوليتكم أيها المسلمون ، وهذا دور كل واحد منكم ، ولا ينبغي أن يدّعي أحدٌ منا أنه لا دور له ولا مسؤولية يتحملها ، بل أنت مسؤول أمام الله جل وعلا ، فاتقي الله على قدر استطاعتك ، واتقوا الله ما استطعتم ، والله سيجعل في هذا الجهد ولو كان ضئيلاً الخير بإذن الله عز وجل ، ووعد الله قائم ينتظر العُصبة المؤمنة التي تقوم وتعلو لمستوى هذا الدين .
فنحن جميعاً نعلم عجز الأمة ، وضعف الأمة ، لكننا نودُّ أن تأخذ الأمة هذه المحنة لتكون منحة ، ولن يكون ذلك بالصياح ولا بالصراخ ولا بالعويل ولا بحرق الأعلام ؛
إنما لن يكون ذلك إلاّ إذا خطونا الخطوة الصحيحة العملية الأولى على الطريق ألا وهى : أن نثق في ربنا جلا وعلا ، وأن نجدد إيماننا وتوكلنا واعتمادنا عليه .
فالذي يُدمِ القلب أن الأمة لا تزال تنتظر لقمتها من يد عدوها ، كيف تكون كلمتنا من رأسنا ، إن لم تكن لقمتنا من فأسنا ..
ثالثاً : ماذا علىَّ أنا ؟ لا تحدّثني بما لا أملك الآن ، فلسنا في حاجة إلى أن تحمِّلنا هموماً فوق الهموم ، وألماً فوق الألم ، ماذا أفعلُ أنا ؟ ...
يجب عليك ابتداءاً أيها المسلم أمام هذه الحرب المسعورة المعلنة على الإسلام بثوابته ، أن تُحصِّن نفسك بالإيمان والعلم الشرعي ، فالإيمان الآن سفينة نوح وسط هذه الأمواج المتلاطمة ، إن لم تركب هذه السفينة ستهلك ، فبكل خطوة تخطوها تجاه الله تبارك وتعالى تقرّب بها أُمتك للنصر خطوة .
رابعاً : كيف نحب رسول الله ونحن لا نعرفه ؟ .. سؤال والله مخجل ! .
فلنتعرف علي أعظم شخصية عرفتها الأرض ، فلنقرأ سيرته العطرة ، حتى نحبه ، فلنعلّم أبناءنا حبيب قلوبنا ؛ فرسول الله يا إخوة منهج رباني متكامل ..
( 16 ) نصرة النبي الصادق في الرد على إساءة الدنمارك
فلا يدري لحقيقته غاية ، ولا يعلم لها نهاية ، فهو من الغيب الذي نؤمن به ..
فهو غيب في شهادة ، وحق في خلق ، ونور في بشر ، ومعني في حس ، وإطلاق في تقييد ، ومنزه في تشبيه ، فهو المثل الأعلى ، والسر الأجلى ، بشريته غيبية ، وكثرته أحدية ، وخلقته حقية .
ولله درُّ البوصيري حيث قال : _
وكيف يُدركُ في الدنيا حقيقته قومٌ نيامٌ تسلُّوا عنه بالحُلُم
ولمّا أراد الله جلّ جلاله ولا رادّ لإرادته ، أن يبرز أو أن يُبيّن للبشرية حقيقة المنهج الرباني ، بعث الله الحبيب النبي ، ليجسد المصطفى هذا المنهج في حياة الناس .
رأى الناس الطُهر في سيدنا المصطفى ، ورأى الناس الصدق والأمانة والعفة والخُلُق والأدب والرجولة ، فقد عارفت البشرية كل معاني الأخلاق في شخص من علا كل الأخلاق ، حتى شهد الله له بقوله : وإنك لعلى خلق عظيم صلى الله عليه وسلم
قال الإمام العلاّمة الماوردي رحمه الله في كتابه " من أعلام النبوة " :
" آيات المَلِكِ باهرة ، وشواهد النبوة ظاهرة ، تشهد مباديها بالعواقب ، فلا يلتبس فيها كذب بصدق ، ولا منحل بحق ، وبحسب قوتها وانتشارها ، يكون بشائرها وإنذارها " .
فوالله ما نقض عهد مع كافر قط ، والله ما خان من خانه من المشركين قط ، بل وفّى حين نقضوا العهود ، وصدق حين كذبوا .
نصرة النبي الصادق في الرد على إساءة الدنمارك ( 17 )
ومن أروع ما سنقف عليه الآن ما رواه مسلم من حديث حذيفة بن اليمان رضى الله عنه
قال حذيفة : ما منعني أن أشهد بدراً أنا وأبي حسين إلاّ أن المشركين أخذونا وقالوا أتريدون محمداً ؟ ، قال : حذيفة قلت لا ، قال حذيفة : فأخذ المشركون علينا عهد الله وميثاقه أن ننصرف إلى المدينة وأن لا نشارك رسول الله في قتال ، قال فمررت على النبي وأخبرته بما كان من عهد مني للمشركين ، " إقرأ معي ماذا قال سيدنا النبي الأمين " ، قال الحبيب النبي : ( إنصرفا ، نفي للمشركين بعهدهم ، ونستعين الله عليهم ) .. الله أكبر .. هذا سيدنا محمد ، هذا المصطفى ..
أيها الغرب الكافر ، ويا أيها الشرق الملحد .
( وددت لو تُرجم هذا الحديث بلغة الغرب ) .
خامساً : لا تكون النُصرة إلاّ باتِّباعه والتخلق بأخلاقه ، فكيف تدّعي أنك تنصر رسول الله ولم تتخلق بعد بأخلاقه ؟ وأنت مضيّع للصلوات ؛ وأنت سيء الأخلاق والآداب ؛ كيف ننصر سيدنا رسول الله ونحن نأكل الربا ، ونحن نعاقر الزنا ، ونحن نأكل أموال اليتامى ، ونحن نؤذي الجيران والناس ، ونحن نهدر المال العام ونرى أنه لا صاحب له ؟ .
وأخيراً أيها الأخيار الكرام : مع كل هذا فأنا أقول .. إنها زوبعة في فنجان ، فكل الحرب المعلنة علي سيدنا رسول الله ، شأنها كشأن ذُبابة حقيرة تافهة سقطت تلك الذبابة الحقيرة على نخلة تمر عملاقة ، ولمّا أرادت الذبابة الحقيرة أن تطير وتنصرف قالت لنخلة التمر العملاقة ، تماسكي أيتها النخلة لأني راحلةٌ عنك ، فردّت عليها نخلة التمر العملاقة وقالت : إنصرفي أيتها الذبابة الحقيرة ، فهل شعُرتُ بكِ حينما سقطتِ علىّ لأستعِدَّ لكِ وأنت راحِلةٌ عني ! .
( 18 ) نصرة النبي الصادق في الرد على إساءة الدنمارك
فهل نحب رسول الله حقاً ؟ .. سؤال مرير بمرارة بُعدنا عن الله تبارك وتعالى !
فليسأل كل واحد منا الآن نفسه ، هل يُحِبُّ رسولَ الله ، حُبَّاً يفوق حبه لزوجه وولده ونفسه التي بين جنبيه ، سيتضح لكل واحد منا صدقه في هذه الدعوة ؛ فما أيسر الادعاء ، وما أسهل الزعم والتنظير والكلام .
ولو نظرنا إلى واقع سلفنا رضوان الله عليهم ، لتبين لنا أن الفارق كبير وكبير بين صدقهم في حبهم لسيدنا النبي ، وبين زعمنا نحن في حبنا لنبينا .
فتدبروا معي أيها الأفاضل الكرام هذه المشاهد الرقراقة من مشاهد الحب الصادق
فهذه رسالة من عروة ابن مسعود أحد رؤوس الكفر ، إلى أولئك المساكين الذين يُنكرون على الأمة تعظيم سيدنا رسول الله ، بل هى رسالة خالدة إلى الأمة كلها فليسمعوا هذه الشهادة الواضحة ..
هذا عروة بن مسعود وحديثه في البخاري ، لما ذهب إلى النبي يوم الحديبية ورأى الحب الصادق من الصحابة لرسول الله ، عاد عروة إلى قومه ليقول :
يا قوم ، والله لقد وفدتُ على الملوك ، وفدت على قيصر وكسرى والنجاشي ، ما رأيت أحداً يعظمه أصحابه كما رأيت أصحاب محمدٍ يعظمون محمداً ، واللهِ ما تنخّم محمدٌ نخامة ، إلاّ وقعت في كفِّ رجل منهم ، فدّلك بها وجهه وجِلده ، وإذا أمرهم ابتدروا أمره ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوءه ، ولا ينظر أحدهم إليه إجلالاً له .
فقد يستكثر هذا قلوبٌ مغلقة لم تعرف ولم تذق طعم الحب ، ولو عدتم إلى الوراء قليلاً لوجدتم من العاشقين من فعل ما يفوق ذلك ، لو قرأتم شعر العاشقين وشعر المحبين لوجدتم العجب العجاب ، ولكن قلوباً مُغلقة جامدة جافة ، قد لا تستوعب مثل هذا الحب الرقراق ، لأنها ما ذاقت ولا عرفت .
نصرة النبي الصادق في الرد على إساءة الدنمارك ( 19 )
وهذا طفلٌ مبارك ، بل هذان طفلان مباركان ، من أبناء أصحاب سيدنا النبي ، يعلّمنا الأطفال كيفية حب سيد الرجال ، والحديث في الصحيحين من حديث عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه ؛
قال عبد الرحمن بن عوف : " بينما أنا واقفٌ في الصف يوم بدر ، إذ التفتُّ فإذا عن يميني وشمالي فتيان حديثا السن ، فلم آمن على نفسي بمكانهما ، وإذ بأحدهما يغمزني سراً من صاحبه : يا عم يا عم ،هل تعرف أبا جهل ، قال عبد الرحمن : وماذا تريد من أبي جهل يا ابن أخي ، قال الغلام المبارك : سمعت أنه يسبُّ رسول الله ، ولقد عاهدت الله إن رأيت أبا جهل أن أقتله أو أموت دونه ، أو أن يفارق ثوابي ثوابه ، حتى يموت الأعجل منا ، قال عبد الرحمن : وإذ بالآخر يغمزني سراً من صاحبه : يا عم يا عم ، هل تعرف أبا جهل ، قال وما تريد أنت الآخر بأبي جهل يا ابن أخي ، قال سمعت أنه يسبُّ رسول الله ، ولقد عاهدت الله إن رأيت أبا جهل أن أقتله أو أموت دونه ، أو أن يفارق ثوابي ثوابه حتى يموت الأعجل منا ، قال عبد الرحمن : فوالله ما سرني أن أكون بين رجلين مكانهما ، فالتفتّ فرأيت أبا جهل يجول في الناس فقلت لهما أنظرا ، هل تريان هذا ، قالا نعم ، قال هذا صاحبكما الذي تسألان عنه ، قال عبد الرحمن : فانقضّا عليه كالصقرين فقتلاه ، وأسرع كل واحد منهما إلى حبيبه رسول الله ، ليقول يا رسول الله قتلت أبا جهل ، والآخر يقول لا أنا الذي قتلته ، لأنهما يعلمان أنهما بهذا الخبر سيدخلان السعادة والفرح علي قلب الحبيب سيدنا محمد ، فقال لهما سيدنا المصطفى : ( هل مسحتما سيفيكما ، قالا : لا ، فأخذ النبي السيفين ، فنظر فيهما فوجد أثر الدم على السيفين معاً ، فالتفت إليهما المعلم المربي وقال : كلاكما قتله ) .
( 20 ) نصرة النبي الصادق في الرد على إساءة الدنمارك
أيها الأفاضل ..
أيُّ حبٍّ هذا ، وهل في لغة البشر ما يستطيع بليغ أديب أن يعبّر به عن هذا الحب الصادق الرقراق من طفلين صغيرين ، يضربا مثلاً للأمة بكاملها عن صدق دعواهما ، بل سأدعُ المشهد يتألق سمواً وروعة وجلالا .
أيها المسلمون ..
لو توقفت مع مشاهد الحب الرائق ، من أصحاب سيدنا النبي من سيدنا رسول الله ، لاحتجتُ ورب الكعبة إلى مجلدات لا إلى صفحة واحدة ؛
لكنني تعمّدتُ أن أُعطّر هذه الرسالة بهذه المشاهد الرائقة ، لا لمجرد الثقافة الذهنية ، وإنما لنعلم أنّ السر الحقيقي في تأخر الأمة ، هو في عدم محبتها لنبيها عليه الصلاة والسلام .
لذا فيجب علينا وجوباً نصرته والذب عن مكانته والتعلق به ظاهراً وباطناً ، ويبدأ بذلك من : تصديقه على الرسالة ، والإيمان بجميع ما جاء به ، وطاعته في نهيه وأمره ، ونصرته حياً وميتاً ، ومعاداة من عاداه معاداة عملية على أرض الواقع كالمقاطعة الفكرية والاقتصادية مقاطعة كاملة جادة ، وموالاة من والاه ، وإعظام حقه ، وتوقيره ، وإحياء طريقته وسنته ، وبث دعوته ، ونشر سنته ، ونفي التهمة عنها ، ونشر علومها ، والنفقة في معانيها ، والدعاء إليها ، والتلطف في تعلمها وإعظامها وإجلالها ، والتأدب عند قراءتها ، والإمساك عن الكلام فيها بغير علم ، وإجلال أهلها لانتسابهم إليها ، والتحلي بأخلاقه ، والتأدب بآدابه ، والتمسك بتعظيمه وإجلاله ، ومحبة أهل بيته وأصحابه ، ومجانبة من ابتدع في سنته ، ومن التعرض لأحد من أصحابه ، ونحو ذلك من الذوقيات العالية التي غابت عن كثير من المسلمين إلا من رحم الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
نصرة النبي الصادق في الرد على إساءة الدنمارك ( 21 )
ولا يقف الحال علي ذلك - أخي الكريم هداك الله لها - بل يستمر إلي معاونة المسلمين عليها وعلي إعظام حقه وتوقيره ، وطاعتهم فيه ، وأمرهم به ، وتذكيرهم له برفق وتلطف ، وإعلامهم بما غفلوا عنه ولم يبلغهم من حقه ، وتأليف قلوبهم لطاعته ، وترك الخروج عليه .
ومن مقتضيات نصرته .. بكل وسائله أدباً واجباً وذوقياً ؛
فمن الأدب أن نعظمه ونجله ، لأنه أعظم من تجب من بين الخلق حرمته ومحبته وتبجيله وتوقيره .
ومن الأدب أن نكثر من الصلاة والسلام عليه .. وخاصة حينما يذكر اسمه الشريف عندنا .
ومن الأدب أن نلتفت بذواتنا ونصغي بآذاننا إلى من يذكره ونترك ما يشغلنا عنه في الحال تأدباً معه .
ومن الأدب أن نضعه عليه الصلاة والسلام نصب أعيننا .. في كل وقت وحين .
ومن الأدب أن نفهّم بعضنا ما واجبات الخلق نحوه .. وما يلزمنا الأدب معه .
ومن الأدب أن نربي أبناءنا على محبته ، وتدريسهم سيرته ، وتبجيل مكانته ورفعته .
ومن الأدب تعظيمه وإقرار الأخر بذلك .. ووقوفه علي ذلك وتسليمه .
ومن الأدب أن ندافع عنه ما استطعنا إلي ذلك سبيلاً ..
ومن الأدب أن نسعد ونفرح بكل من يدعو إليه وإلى سنته ويحي طريقته ويعظم حرمته .
ومن الأدب أن نوقِّر ونجلّ كل من يعظم مكانته ويجلّ حرمته .
* * *
( 22 ) نصرة النبي الصادق في الرد على إساءة الدنمارك
أيها المسلمون ..
نصرتكم لنبيكم هى في حبكم الصادق له ، في اتباع سُنّته والزود عنها ، فلينظر
كل واحد منا لنفسه ، أنظر لأوامر النبي القولية ، ولسنة النبي الفعلية والعملية ، ولسنة
النبي التقريرية ، أين أنت من قولٍ وعملٍ وتقرير .
فنحن الآن في حاجة ماسة إلى المدافعين عن السُنّة لا بالأقوال فحسب ، بل بالقول والمظهر والقلب والعمل ، لأننا نعيش الآن عصراً كما أصلّت ، نعيش عصراً أُعلنت فيه الحرب الضروس على سيد الكائنات وعلى سُنّته ، وعلى المتّبعين ،
فما أحوج الأمة اليوم إلى من يُحوِّلون السُنّة إلى واقع عملي يتألّق سمواً وروعة وجلالا .
فما أحوج الأمة اليوم ، بعلماء ها وحُكّامها ورجالها ونساءها ، إلي رسول الله ، لتطبق سنته تطبيقاً عملياً على أرض الواقع ، إذ لا عزة لها ولا كرامة إلاّ إذا عادت من جديد ، لأثر النبي الأمين سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
واسمحوا لي أيها الأفاضل أن أختم رسالتي هذه بعلامة لعلامات الحب الصادق لسيدنا رسول الله ، قد يغفل عنها كثير منا لا سيما في مجالس الخير ، ألا وهو الصلاة والسلام علي سيدنا النبي .
ترى البُخل حتى في مجالس العلم والذكر ، فقد يبخل كثير من الحضور إذا سمع اسم النبي أن يُصلي عليه ، والنبي يقول : ( ويلٌ لمن لا يراني يوم القيامة ،
نصرة النبي الصادق في الرد على إساءة الدنمارك ( 23 )
فقالت السيدة عائشة : ومن لا يراك يا رسول الله ، قال : البخيل ، قالت : ومن البخيل ، قال : الذي لا يُصلي علىّ إذا سمع باسمي ) .
فاللهم ربنا صل وسلم وبارك عليه صلاة ترفعنا بها عندك أعلى الدرجات وعلى آله وصحبه أجمعين .
تمت الرسالة بعون الله المعين القدير ، واللهَ الكريم أسأل أن يتقبل مني هذا العمل بعفوه وكرمه ، وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم ، كما أسأل الله بها نُصرةً لسيدي ومولاي محمد رسول الله ،إنه ولى ذلك والقادر عليه .
القائل سبحانه هو الذي أيّدك بنصره وبالمؤمنين .
اللهم صلِّ وسلِّم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ، و ارزقنا حبه وحب كل من يحبه ، اللهم احشـرنا معه بحـبنا له ، وارزقنا الصـدق في حبـك وحـب نبيــك وحـب من أحبك وحب كل عمل يقربنا إلى حبك .
اللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته ، ورسولاً عن دعوته ورسالته
،و احشرنا ربنا في زمرته ، وأدخلنا جنته .
اللهم صل وسلم وزد وبارك على هذا السيد النبي الكريم محمد ابن عبد الله ، وعلى آله وأصحابه
وأتباعه ، وعلى كل من اهتدى بهديه واقتفى أثره واستنّ بسنته إلى يوم الدين
والحمد لله رب العالمين . .
* * *
إضافة جديدة
يتعرض الإسلام ورسوله الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ منذ زمن طويل لهجوم عنيف من قِبل خصومه وأعدائه، وهؤلاء الأعداء منهم الظاهر المجاهر في عدائه، ومنهم المستتر غير المجاهر، الذي يدسُّ السمَّ في العسل. وقد وجدنا بعض الأقلام الحاقدة، من ذوي الأفكار المشوهة، قد اهتمت بإثارة الشبهات وتدوين التشكيكات، ضمن حالة من الاستنفار العام للهجوم على الإسلام وأهله.
ولا يزال مسلسل التربص بالإسلام ورجاله مستمرًا؛ في مخطط يستهدف استئصال دين الإسلام واجتثاث أصوله، وتقويض بنيانه، وذلك بمحاولة التشكيك في الدين والألوهية، ومحاولة التشكيك في الرسالة، ومحاولة التشكيك في النبوة وعالمية الدعوة الإسلامية، محاولة اختراق السيرة النبوية، وإخضاع حياة النبي لعلوم التربية والسيكولوجيا، في محاولة للنيل منها، والطعن فيها، والافتراء على التاريخ الإسلامي جملة، والبحث عما ظنوه ثغرات وتناقضات في محاولة؛ لتشويهه ومحاولة تفسيره بمنظور بشري عاجز؛ رغبةً منهم في إطفاء نور القوة والحق فيه. فالدين الإسلامي بحق هو الدين، الذي لا يهاب العلم وحقائقه، بل ويدعو كل عاقل أن يتفكر ويتأمل ويستجمع كل قواه الذهنية؛ ليميز الخبيث من الجيد.
رســــالــــــة سبيل النجاة بما جاء به خاتم الأنبياء
رســــالــــــة
ســـبيـل النجــاة
بما جــاء به خــاتم الأنبيــاء
تـــألـيــف
وجــدي عبـد اللطــيف سام أبوراس
سبيل النجاة بما جاء به خاتم الأنبياء ( 5 )
بـســــم الله الرحـمــــن الرحـــيــم
الحمد لله رب العالمين .. حمداً ليس له عد ولا إحصاء ، والشكر لله شكراً لا حد له ولا استقصاء ، وأشهد أن لا إله إلا الله القائل :
لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم
يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين .
ونصلي ونسلم بمحبة وإجلال وتعظيم ، على سيد الأولين والآخرين سيدنا محمد رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن والاه .
أما بعد ،،،
إحتفاءاً بذكرى المولد النبوي الشريف ، وعملاً بقوله تعالى : قل بفضـل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون .. وقوله تعالى : ومن يعظـم شــعائـر الله فإنها من تقـوى القـلـوب .
نقدم إلى كل المسلمين هذه الرسالة الموجزة ، تفنيداً للأمر الذي اختلف فيه اليوم فئة من المسلمين ، وكما ندعوهم بهذه المناسبة العظيمة ، إلى التخلص من سيطرة الحواس والأهواء ، التي جعلت بعضهم – هدانا الله وإياهم - منهمكين طيلة سنين بالجدل والكلام في دقائق الأمور ، وكأنه ما عرف الحق غيرهم ، مما جعل أعداء الأمة يضربوننا على أم الرأس ، فذلّت الأمة بعد عزة ، وجهلت بعد علم ، وضعفت بعد قوة .
(6 ) سبيل النجاة بما جاء به خاتم الأنبياء
وبهذه المناسبة أيضاً أستهل هذه المقدمة بدعوة المسلمين للتمسك والاعتصام بحبل الله المتين ، الذي يحي قلوبنا ، ويجمعنا على عدونا ، في وقت أضحى فيه اجتماع الأمة أحوج ما نكون إليه ، وكما أدعو هم جميعاً إلى نبذ ما يفرّق الصفوف ، ويمكّن الشحناء فتقسوا بذلك القلوب ، فهذا الداء ، وهذا الدواء .
فإنه لا حياة للقلوب إلا بمحبة الله ورسوله ، ولا عيش إلا عيش المحبين الذين قرت أعينهم بحبيبهم ، وسكنت نفوسهم إليه ، واطمأنت قلوبهم إليه ، واستأنسوا بقربه ، وتنعموا بمحبته .
قال سيدنا النبي : ( ما اختلط حبي بقلب عبد مؤمن فأحبني إلا حرمه الله على النار وأدخله الجنة ) (1)
و إنه لا يكمل الإيمان إلا بالمحبة ، ولا تصح المحبة إلا بتحقيق إعلاء قدر النبي ومنزلته على كل محسن ومفضل ، ووالد وولد ، ومن لم يعتقد هذا واعتقد سواه فإنه ليس بمؤمن والعياذ بالله . .
ولقد أمر الله بإعلاء قدره ، وتشريف مكانته ، وإلزام تعزيزه وتوقيره .
لأن في القلب طاقة لا يسدها إلا محبة الله ورسوله ، ومن لم يظفر بذلك فحياته كلها هموم وغموم وآلام وحسرات .
وأنه لا دواء لداء الذنوب والسيئات إلا صدق الالتجاء إلى سيد السادات .
والحقيقة التي لا شك ولا مراء فيها .. أنه قد انسد في الظاهر كل طريق غير طريقه ، وانغلق في الباطن كل باب غير باب تحقيقه ، فلا سبيل للتوجه إلا إليه ،
ولا سوى إلا التعلق بجنابه الشريف ، والعكوف على بابه الكريم .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) رواه أبو نعيم عن ابن عمر والسيوطي صححه .
سبيل النجاة بما جاء به خاتم الأنبياء ( 7 )
لذا يجب علينا وجوباً التعلق به ظاهراً وباطناً ، ويبدأ بذلك من : .
تصديقه على الرسالة ، والإيمان بجميع ما جاء به ، وطاعته في نهيه وأمره ، ونصرته حياً وميتاً ، ومعاداة من عاداه ، وموالاة من والاه ، وإعظام حقه ، وتوقيره ، وإحياء طريقته وسنته ، وبث دعوته ، ونشر سنته ونفي التهمة عنها ، ونشر علومها ، والنفقة في معانيها ، والدعاء إليها ، والتلطف في تعلمها وإعظامها وإجلالها ، والتأدب عند قراءتها ، والإمساك عن الكلام فيها بغير علم ، وإجلال أهلها لانتسابهم إليها ، والتحلي بأخلاقه ، والتأدب بآدابه ، والتمسك بتعظيمه وإجلاله ، ومحبة أهل بيته وأصحابه ، ومجانبة من ابتدع في سنته ، ومن التعرض لأحد من أصحابه ، ونحو ذلك من الذوقيات العالية التي غابت عن كثير من المسلمين إلا من رحم الله ولا حول ولا قوة إلا بالله .
ولا يقف الحال علي ذلك - أخي الكريم هداك الله لها - بل يستمر إلي معاونة المسلمين عليها وعلي إعظام حقه وتوقيره ، وطاعتهم فيه ، وأمرهم به ، وتذكيرهم له برفق وتلطف ، وإعلامهم بما غفلوا عنه ولم يبلغهم من حقه ، وتأليف قلوبهم لطاعته ، وترك الخروج عليه .
ومن مقتضيات التعظـيم الأدب معه .. بكل وسائله أدباً واجباً وذوقياً فمن الأدب أن نعظمه ونجله ، لأنه أعظم من تجب من بين الخلق حرمته ومحبته وتبجيله وتوقيره .
ومن الأدب أن نكثر من الصلاة والسلام عليه وخاصة حينما يذكر اسمه الشريف عندنا .
ومن الأدب أن نلتفت بذواتنا ونصغي بآذاننا إلى من يذكره ونترك ما يشغلنا عنه في
الحال تأدباً معه .
ومن الأدب أن نضعه عليه الصلاة والسلام نصب أعيننا .. في كل وقت وحين .
ومن الأدب أن نفهّم بعضنا ما واجبات الخلق نحوه .. وما يلزمنا الأدب معه .
( 8 ) سبيل النجاة بما جاء به خاتم الأنبياء
ومن الأدب تعظيمه وإقرار الأخر بذلك .. ووقوفه علي ذلك وتسليمه .
ومن الأدب أن ندافع عنه ما استطعنا إلي ذلك سبيلاً ..
ومن الأدب أن نسعد ونفرح بكل من يدعو إليه وإلى سنته ويحي طريقته ويعظم حرمته .
ومن الأدب أن نوقِّر ونجلّ كل من يعظم مكانته ويجلّ حرمته .
ومن الأدب أن لا يتقدم بين يديه .. بأمـر ولا نهى ولا إذن ولا تصرف حتى يأمر هو وينهى ويأذن كما أمر الله تعالى بذلك في هذه الآية وهـذا باق إلى يوم القيامة لم ينسخ .
فالتقدم بين يدي سـنته وبعد وفاتـه كالتقـدم بين يديـه في حياته ولا فـرق بينهما عـند ذي
كل عقل سليم . يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله .
لأنه هو السبب في هدايتنا ، وإرشادنا إلي سعادتنا الدنيوية والأخروية ، وإخراجنا من ظلمة الكفر والشقاوة إلي نور الإيمان والسعادة مع مقاساته المشقات والمتاعب في ذلك .
وليس من العدل والمروءة أن يجازي علي ذلك بغير كمال التبجيل والتعظيم ،
والأدب والاحترام معه بكل وسائله سواء أكان بالفعل أم بالقول .
ومن الأدب معه أن لا يجعل دعاؤه كدعاء بعضنا بعضا ..
فقد قال الله تعالى : لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا
وفيه قولان للمفسرين :
أحدهما : لا تدعوه باسمه كما يدعوا بعضكم بعضاً بل قولوا : ( يا رسول الله- نبي الله - سيدنا محمد ) .
والثـاني : أن المعنى لا تجعلوا دعاءه لكم منزلة دعاء بعضكم بعضاً إن شاء المدعو أجاب وإن شاء ترك , بل إذا دعاكم لم يكن لكم بد إجابته
ولم يسعكم التخلف عنها البتة , فإن المبادرة إلى إجابته واجبة والمراجعة بغير إذنه محرمة .
سبيل النجاة بما جاء به خاتم الأنبياء ( 9 )
والقرآن مملوء بالآيات المرشدة إلي الأدب معه ، ولما قال المشركون :
يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون أجاب تعالى عنه عدوه بنفسه من
غير واسطة فقال : )ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون .
ولعله ينظر - أخي الكريم - إلى ما أقره الله الحق لنبيه على عظيم نعمه لديه , وشريف منزلته عنده .
لأن قدر سيدنا المصطفى عند ربنا لكبير ، ومكانة حبيبنا عند ربنا للعظيمة ، فو الله ما خلق الله وما ذرأ وما برأ نفساً عليه من سيدنا محمد ، والحقيقة أنه لا يعلم قدر المصطفى إلا خالقه .
قال الله تعالى : ألم نشرح لك صدرك .ووضعنا عنك وزرك . الــذي أنقـض ظهرك . ورفعنا لك ذكرك ...
شـرح : وسَع . والمراد بالصدر هنا : القلب .
قال ابن عباس : شرعه بالإسلام .
وقال سهل : بنور الرسالة .
وقال الحسن : ملأه حكما وعلما .
وقيل : معناه ألم نطهر قلبك حتى لا يؤذيك الوسواس .. ووضعنا عنك وزرك الذي انقض ظهرك ؟
قيل : ما سلف مع ذنبك - يعني قبل النبوة .
وقيل : أراد ثقل أيام الجاهلية .
وقيل : عصمناك , ولولا ذلك لأثقلت الذنوب ظهرك , حكاه السمرقندى ورفعنا لك ذكرك :قال يحيى بن آدم : بالنبوة .
وقيل : إذا ذكرت معي , قول : لا إله إلا الله , محمد رسول الله . وقيل : في الآذان.
( 10 ) سبيل النجاة بما جاء به خاتم الأنبياء
قال القاضي أبو الفضل : هذا تقرير من الله جل اسمه لنبيه على عظيم نعمه لديه , وشريف منزلته , وكرامته عليه , بأن شرح قلبه للإيمان والهداية , ووسعه لوعي العلم ، وحمل الحكمة ، ورفع عنه ثقل أمور الجاهلية عليه ، وبغضه لسيرها وما كانت عليه ، بظهور دينه علي الدين كله ، وحط عنه عهدة أعباء الرسالة والنبوة لتبليغه للناس ما نزل إليهم وتنويهه بعظيم مكانه ، وجليل رتبته ، ورفعة ذكره ، وقرانه مع اسمه .
فلقد خلق الله واصطفى من الخلق الأنبياء ، ثم اصطفى من الأنبياء الرسل ، واصطفى من الرسل أولي العزم الخمس ، واصطفى من أولي العزم الخليلين سيدنا إبراهيم وسيدنا محمداً عليهما الصلاة والسلام ، ثم اصطفى سيدنا محمداً فشرّفه على كل خلقه ؛ شرح له صدره ، ورفع له ذكره ، ووضع عنه وزره ، وأعلى له قدره ، وزكّاه في كل شيء :
زكّاه في فؤاده فقال سبحانه : ما كذب الفؤاد ما رأى ..
زكّاه في بصره فقال سبحانه : ما زاغ البصر وما طغى .
زكّاه في صدقه فقال سبحانه : وما ينطق عن الهوى .
زكّاه في علمه فقال سبحانه : علّمه شديد القوى .
زكّاه في صدره فقال سبحانه : ألم نشرح لك صدرك .
زكّاه في ذكره فقال سبحانه : ورفعنا لك ذكرك .
زكّاه في طُهره فقال سبحانه : ووضعنا عنك وزرك .
زكّاه كُلّه فقال سبحانه : وإنك لعلى خُلُقٍ عظيم .
سبيل النجاة بما جاء به خاتم الأنبياء ( 11 )
وما من نبيٍ إلاّ ونادى عليه ربنا باسمه المجرد ، إلا المصطفى ؛
قال الله تعالى : يا آدم أسكن أنت وزوجك الجنة .
قال الله تعالى : يا نوح اهبط بسلام منا .
قال الله تعالى : يا إبراهيم قد صدّقت الرؤيا .
قال الله تعالى : يا موسى إنني أنا الله .
قال الله تعالى : يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلىّ
قال الله تعالى : يا زكريا إنا نبشرك بغلام
قال الله تعالى : يا يحى خذ الكتــاب بقوة
فلما أراد سبحانه أن ينادي على الحبيب المصطفى قال :
يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً ....
هذه مكانته عنده جلا وعلا .
وما ذكر اسمه مجرداً إلا وقرنه بصفة الرسالة والنبوة قال جلا وعلا :
محمدٌ رسول الله
وقال جلا وعلا : وما محمدٌ إلا رسول الله ، وقال جلا وعلا :
ما كان محمدٌ أبا أحدٍ من رِجالِكُم ولكن رسولَ اللهِ وخَاتَمَ النبيين ، فوالله لا يعرف قدر النبي إلا الرب العلي .
* * *
( 12 ) سبيل النجاة بما جاء به خاتم الأنبياء
- " قال العلماء في ضوابط قواعد الشريعة : أن الأصل في الأشياء هو المباح ، وأن ما حرمه الله هو عارض يعترض الأصل ، وكما أن الأصل أيضاً هو الطهارة ، وأن النجاسة هي العارض ، فمن هذا نستطيع أن نقول أن ما سكت عنه الشرع ولم ينهى عنه هو في الأصل المباح .
ومن الأشياء التي سكت عنها الشرع ولم ينهى عنها ، هو الاحتفال بذكري مولد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم .
لذا فإن الاحتفال بذكرى مولد سيد الكائنات هو مباح ، إن لم يكن واجباً ، لأنه على أقل ما يمكن قوله هو اجتماع المسلمين الذي يحصل به .
يقول الإمام الشافعي : من دعا إخواناً وصنع طعاماً وأوقد سراجاً وأنفق نفقة احتفالاً بميلاد رسول الله فقد فاز بالأمان .
ويقول الإمام معروف الكرخي : ما قريء ميلاد رسول الله على شيء من بُر
( أي قمح ) أو طعام أو ماء فدخل بطن إنسان إلا وتحرك واضطرب ولا يستقر حتى يغفر الله لهذا الإنسان .
قال الله تعالى : قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون
قال العلماء في هذه الآية : فضل الله هو العلم ، ورحمته هو سيدنا محمد .
يقول الله تعالى: ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب ؛
قال بعض العلماء والمحققون في هذا الباب ( بتصرف ) :
" وأي نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي .
وقد صحّ أن أبا لهب يخفف عنه عذاب النار في مثل يوم الاثنين لإعتاقه ثويبة سروراً بميلاد النبي .
سبيل النجاة بما جاء به خاتم الأنبياء ( 13 )
وكيف لا نفرح ونبتهج بقدومه إلى هذه الدنيا ، وقد احتفل أهل المدينة من الأنصار بمقدمه عليهم عند الهجرة بالأهازيج والدفوف .
وهل قدوم النبي إلى المدينة أعظم من قدومه إلى هذه الدنيا ؟.
ولقد أنكرت هذه الفرقة على من يظهر الفرح والسرور فقالت : لا نعلم لهذا الاحتفال بالمولد أصلاً في كتاب ولا سنة ! (1)
فيقال عليهم : نفي العلم لا يلزم منه نفي الوجود .
وقولهم : بل هو بدعة أحدثها البطّالون وشهوة نفس اعتنى بها المبتدعون ، والابتداع في الدين ليس مباحاً بإجماع المسلمين !
فيقال عليهم : كلام ليس بصحيح لأن البدعة لم تنحصر في الحرام والمكروه بل قد تكون أيضاً مباحة ومندوبة وواجبة " .
قال النووي في ( تهذيب الأسماء واللغات ) )2)
البدعـة في الشرع هي إحداث ما لم يكن في عهد رسول الله وهى منقسمة إلى حسنة وقبيحة .
وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام في ( القواعد ) :
البدعـة منقسمة إلى واجبة ومحرمة ومندوبة ومكروهة ومباحة ؛
والطريق في ذلك أن نعرض البدعة على قواعد الشريعة فإذا أدخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة أو في قواعد التحريم فهي محرمة أو الندب فمندوبة أو المكروه فمكروهة أو المباح فمباحة .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لا تزال هذه الطائفة إلى يومنا هذا تنكر جمع المحافل للمولد النبوي الشريف .
(2) هذا الكتاب من أشهر الكتب للإمام النووي وهو حجة على من أنكر .
( 14 ) سبيل النجاة بما جاء به خاتم الأنبياء
وذكر لكل قسم من هذه الخمسة أمثلة إلى أن قال : وللبدع المندوبة أمثلة .. منها الربط والمدارس ، وكل إحسان لم يعهد في العصر الأول ، ومنها صلاة التراويح والكلام في دقائق التصوف وفي الجدل ، ومنها جمع المحافل للاستدلال في المسائل إن قصد بذلك وجه الله تعالى .
وروى البيهقي بإسناده في مناقب الشافعي عن الشافعي قال : المحدثات من الأمور ضربان :
أحدهما ما أحدث مما يخالف كتاباً أو سنة أو أثراً أو إجماعاً فهذه البدعة الضلالة .
والثـانـي ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا ، وهذه محدثة غير مذمومة وقد قال سيدنا عمر (1) في قيام شهر رمضان : ( نعمت البدعة هذه ) يعني أنها محدثة لم تكن وإذ كانت فليس فيها رد لما مضى .
وروى الإمام البخاري في صحيحه أن زيد ابن ثابت قال : أرسل إلىّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة فإذا عمر ابن الخطاب عنده ، قال أبو بكر : إن عمر أتاني فقال : إن القتل استحر ( أي اشتد ) يوم اليمامة بقراء القرآن ، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن ، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن ، قلت لعمر : كيف نفعل شيئاً لم يفعله رسول الله فقال عمر : هذا والله خير .
وقولهم : أن الشهر الذي ولد فيه هو الشهر الذي انتقل فيه إلى الرفيق الأعلى فلما الفرح والسرور بدلاً من الحزن والسكون !
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله في سيدنا عمر ابن الخطاب : ( لقد كان فيمن قبلكم في أمم من قبلك ، أناس محدّثون من غير أن يكونوا أنبياء ، فإن يكن في أمتي فإنه عمر ابن الخطاب)
سبيل النجاة بما جاء به خاتم الأنبياء (15 )
فيقال عليهم : أن ولادته أعظم النعم علينا ، ووفاته أعظم المصائب لنا والشريعة حثت على إظهار شكر النعم والصبر والسكون والكتم عند المصائب ، وقد أمر الشرع بالعقيقة عند الولادة وهى إظهار شكر وفرح بالمولود ، ولم يأمر عند الموت بذبح ولا غيره بل نهى عن النياحة وإظهار الجزع فدلّت قواعد الشريعة على أنه يحسن في هذا الشهر إظهار الفرح بولادته دون إظهار الحزن فيه بوفاته .
وقد قال ابن رجب في كتاب ( اللطائف ) في ذم الرافضة حيث اتخذوا يوم عاشوراء مأتماً لأجل قتل الإمام الحسين ، لم يأمر الله ولا رسوله باتخاذ أيام مصائب الأنبياء وموتهم مأتماً فكيف ممن هو دونهم .
فيجب تعظيم هذا الشهر الكريم أي شهر مولده الذي منّ الله علينا فيه بسيد الأولين والآخرين ، فكان يجب أن يزاد فيه من العبادات والخير شكراً للمولى على ما أولانا به من هذه النعم العظيمة ؛ وإن كان النبي لم يزد فيه على غيره من الشهور شيئاً من العبادات وما ذاك إلا لرحمته بأمته ورفقه بهم لأنه كان يترك العمل خشية أن يفرض على أمته رحمة منه بهم .
وقد أشار إلى فضيلة هذا الشهر العظيم بقوله للسائل الذي سأله عن صوم يوم الاثنين فقال : ( ذاك يوم ولدت فيه ) ، فتشريف هذا اليوم متضمن لتشريف هذا الشهر الذي ولد فيه فينبغي أن نحترمه حق الاحترام ونفضله بما فضّل الله به الأشهر الفاضلة ، وهذا منها لقوله : ( أنا سيد ولد آدم ولا فخر ) وقوله : ( آدم فمن دونه تحت لوائي )
والأمكنة والأزمنة لا تشرف لذاتها ، وإنما يحصل لها التشريف بما خصت به من المعاني ، ألا ترى أن صوم يوم الاثنين فيه فضل عظيم لأنه ولد فيه !!
( 16 ) سبيل النجاة بما جاء به خاتم الأنبياء
فعلى هذا إذا دخل هذا الشهر الكريم أن يكرم ويعظم ويحترم الاحترام اللائق به اتباعاً له في كونه كان يخص الأوقات الفاضلة بزيادة فعل البر فيها وكثرة الخيرات .
وثبت في الصحيحين (1) من أن سيدنا النبي قدم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم ، فقالوا هو يوم أغرق الله فيه فرعون ونجى موسى فنحن نصومه شكراً لله تعالى ؛ فقال النبي : ( نحن أولى بموسى منكم ) ..
فيستفاد منه فعل الشكر لله على ما من به في يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة ، والشكر لله يحصل بأنواع العبادة كالسجود والصيام والصدقة والتلاوة ؛؛
وأي نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي ، نبي الرحمة في ذلك اليوم ، وعلى هذا فينبغي أن يتحرى اليوم بعينه حتى يطابق قصة سيدنا موسى في يوم عاشوراء .
ومن أنكر التعظيم لهذا اليوم ولهذا الشهر فلا يجد بد إلا وأن يقر الشكر لله تعالى وأن يظهر الفرح والسرور فيه على ميلاد هذا النبي صلوات الله وسلامه عليه .
فمحبة سيدنا النبي لازمة ، وحقيقة تعظيمه واجبة ، فطوبي لمن عُدّ من جملة محبيه ، وامتثل أوامره واجتنب نواهيه ، وبذل الجهد في مؤازرته ونصره ، والتأدب بآدابه في عسره ويسره ، وآثر ما شرعه علي هواه .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) البخاري ومسلم .
سبيل النجاة بما جاء به خاتم الأنبياء ( 17 )
فينبغي لكل صادق في حبه أن يستبشر بشهر مولده ويعقد فيه محفلاً لقراءة ما صح في مولده من الآثار فعسى أن يدخل بشفاعته مع السابقين الأخيار ، فإن من سرت محبته في جسده لا يبلى في القبر ، ولم تحصل مرتبة الشفاعة لأهلها إلا بواسطة حبهم لجنابه الأعلى ، وإذا كان الشفعاء الأبرار أورثهم حبه في غيرهم فلا أقل أن يورث عمل المولد الشفاعة في صاحبه وإن نزلت محبته عن محبتهم في المقدار ، ولا يزال بحمد الله تعالى في كل عصر طائفة من الإسلام ملتزمين له غاية الالتزام " .
هذا ما وفقنا الله تعالى لجمعه من أقوال علماء ومحققين ، فليس هناك أحد على وجه الأرض قاطبةً أتى بشيء من عنده ، إنما هو واسطة نقل ، إلا سيدنا رسول الله الذي لا ينطق عن الهوى إنما هو وحى يوحى .
نسأل الله العلى الكريم ، أن يجعلنا من محبيه ، وأن يحشرنا في زمرته ، وأن يجمعنا معه في جنته ،إنه ولى ذلك ومولاه ..
حكم جديد إسمه " لم يفعله رسول الله " صلى الله عليه وسلم .
فالأدعياء والمتطفلون على بساط الحقيقة كثر ، والحقيقة بريئة منهم ولا تعترف لهم بصحة نسبتهم إليها .
وكـل يدعـي وصـلاً بلـيلـى وليـلـى لا تقـر لهـم بـذاكـا
هذا بالإضافة إلى أنهم يشوهون الصورة ويسيئون السمعة ، وهؤلاء الأدعياء يصدق عليهم الوصف النبوي الدقيق الذي يقول : ( المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور( ..
ولقد بلينا معشر المسلمين بكثر من هؤلاء ، يعكرون صفو الأمة ويفرقون بين المسلمين ويورثون العداوة بين الأخ وأخيه والولد وأبيه .
ويدخلون إلى تصحيح مفاهيم الإسلام من باب العقوق ويسلكون في التمسك بآثار السلف سبيل الجحود ويستبدلون الحكمة والموعظة الحسنة والرأفة والرحمة بالغلظة والجفوة وسوء الأدب وقلة الذوق .
إننا نبرأ إلى الله من هذا كله ونعتبر أن كل ما يخالف الكتاب والسنة ولا يقبل التأويل هو مكذوب دخيل وملصق بأيد آثمة ونفوس ضعيفة .
فإذا دعوت مسلماً يصلي ، ويؤدي فرائض الله ، ويجتنب محارمه وينشر دعوته ، ويعمر مساجده ، ويقيم معاهده ، إلى أمر تراه حقاً ويراه هو على خلافك والرأي فيه بين العلماء مختلف قديماً إقراراً وإنكاراً فلم يطاوعك في رأيك فرميته بالكفر لمجرد مخالفته لرأيك فقد قارفت عظيمة نكراء ، وأتيت أمراً إذا نهاك عنه الله ودعاك إلى الأخذ فيه بالحكمة والحسنى .
فأول مفهوم أضافوه علينا واستحدثوه وابتدعوه ، هو قولهم ( هذا لم يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم ) ، لقد أضافوا علينا حكما جديدا على أحكام الشريعة الغراء ، فالذين يزعمون محاربة البدعة كانوا هم أول من وقع فيها ؛
فتعال معي لنشرح هذا بالضبط سوياً : -
الأمر المتفق عليه إجماعاً عند علماء الأصول ، والأمة لا تجتمع على ضلالة ، وهذا من رحمة الله بهذه الأمة الميمونة المباركة ، فالأمر المجمع عليه اتفاقا أن أحكام الشريعة هي كالتالي :
1) الواجب ، 2) الحرام ، 3) السنة ، 4) المكروه ، 5) الجائز أو المباح .
فأي أمر في الشريعة إلا ويندرج تحت إحدى هذه الأحكام ، ولا يمكن أبدا بأي حال من الأحوال أن يخرج أي أمر كان خارج هذه الأحكام ، فجاء هؤلاء المتنطعون الأدعياء ليضيفوا حكما سادسا على هذه الأحكام فأسموه حكم ( لم يفعله رسول الله ) .
فسيدنا النبي صلى الله عليه وسلم ترك لنا أشياء كثيرة لم يفعلها ولم يأمر بها ولم ينهى عنها ، وهي تدخل تحت حكم الجواز ، فقد قال صلى الله عليه وسلم : ( إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها ، وحد حدوداً فلا تعتدوها ، وحرم أشياء فلا تنتهكوها ، وسكت عن أشياء رحمة لكم فلا تبحثوا عنها ) الدار قطني .
فكيف لهؤلاء الأدعياء أن يجتروا ويدخلون فعلها في الحرام ، بحجة لم يفعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال علماء الأصول في ضوابط قواعد الشريعة كما أسلفنا : أن الأصل في الأشياء هو المباح ، وأن ما حرمه الشرع هو عارض يعترض الأصل ، لذلك ما سكت عنه الشرع ولم يأمر به ولم ينهى عنه هو في الأصل مباح .
ولو افترضنا ذلك جدلا أن كل مالم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم هو بدعة وحرام :.
فكيف لصديق الأمة سيدنا أبوبكر رضى الله عنه ، أن يفعل شيئا لم يفعله رسول الله وهو جمع القرآن الكريم ، بعد أن عرض سيدنا عمر عليه بأن يجمع القرآن خوفا عليه من الضياع ، وسأل معاذ ابن جبل فقال له معاذ هذا لم يفعله رسول الله ، ثم هدى الله أبا بكر فجمع المصحف وقال هذا والله خير ، وكلكم يعلم بقية القصة .
ــ فهذا خليفة رسول الله وقد نزل القرآن ليشهد له بأنه صاحب رسول الله ، وهو أقرب خلق الله لرسول الله ، فكيف له أن يبتدع بعد رسول الله ويخالف مالم يفعله رسول الله ، فهو بقول هؤلاء الأدعياء أن أبا بكر كبير المبتدعين وحاش له أن يكون كما يزعمون .
ــ وهدا فاروق الأمة أيضاً سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه ، يقول في صلاة التراويح قولته المشهورة ( نعمت البدعة هذه ) .
ــ وهذا بلال الحبشي رضي الله عنه ، وهو أول من سن لكل وضوء صلاة ، ولم يأمر به ولم يفعله رسول الله قط ، ولكن حينما علم سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم أقره . وغيره وغيره كثير .
فلنزم أنفسنا بالعلم والعمل ، وكفانا جدالاً وتنظيراً ، فما أرخص الكلام والزعم ، وما أقل العمل .
فمن أين لهؤلاء الأدعياء لهذه البدعة العظيمة ، إنه لا شك سقم العقول .
مِن مُغالطات دعاة (الفكر التكفيري) ..
مِمّا لا يخفى على ذي نَظَر : أنّ الغَلَط من طبائع البَشَر، بل إنَّ الإصرارَ عليه يكادُ يكونُ - في أحيانٍ ما -طبعاً آخَـرَ مِـن طبائِعهم الإنسانيّة الناقصة التي لا ينجو منها إلا من رحم اللهُ - تعالى - .
لكنَّ ثمّـةَ فـرقـاً بَيِّناً بـين (الــغَلَط) و(المغالطة): فالغَلَطُ سببُهُ الجهلُ، أو عدم إدراك الحقائقِ على أصلها؛ أمّا المُغالطةُ : فإنّها تحملُ معنى الجهلُ المركّب، والتمادي في الغَلَط إلى مُنتهاه، بحيث تكادُ تُغلق على صاحبها أبواب الرجوعِ، أو حتى التفكير به ! .
ولستُ - هاهنا - في مجال الردّ على أغلاط (الفكر التكفيري) وشبهاتِه - تفصيلاً - والنقض على دعاوى أدعيائِه ودُعاتِه - تأصيلاً -؛ وإنّما وَكْدي كلُّه : الردُّ على بعض مُغالطاتهم الّتي يموّهون بها على الجهلاء، فيحسبونهم - بذلك - بُرآء!!
وأنظم ذلك في نقاطٍ -قرأتها لبعض جَهَلَتهم - قريباً - :
أولاً: قولهم : (الفكر التكفيري ليس له وجود)!! وهذه أشدُّ المُغالطات ظُلماً، وأعظمُها إثماً : فالفكر التكفيري لا يزال مستمرّاً منذ فجر التاريخ الإسلامي إلى هذه السّاعة، بل سيخرُجُ بقايا أتباعه مع الدّجّال الأكبر في آخِر الزمان - كما ثَبَتَ وصحّ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في أشراط الساعة الكُبرى- .
وما يزالُ المسلمون - فضلاً عن غيرهم - يكتوون بظلام جهلهم، ونار فعلهم!!
وإنكار المحسوس مكابرةٌ للحقّ والواقع - ما لها من دافع - .
ثانياً: وأمّا قولُهُم عن فكرهم ( ! ) - هذا مُستنكرين - : (وهو من فكر الصهيونية)!! فهذا إمعانٌ في المُغالطة، وزيادةٌ في التغليط، فالفكر الصهيوني - بطرقهِ وأساليبهِ - لم يَعُدْ خافياً - في ظل الثورة الإعلامية التي نعيشها - حتى على صبيان المـدارس؛ فلم كل هذه المُكابرة ؟!
ثالثاً: وأمّا قولهُم : (نحن مسلمون نؤدي عبــادات وطاعـات)!! فهذا شأنٌ لا ننكِره منهم وفيهم، بل هو مِن الأوصاف التي بيّنها لنا النبيّ -صلى الله عليه وسلم- في أحاديثِه الشريفةِ المُحذِّرة من الخوارج، وأفكارهم، وأفعالهم؛ منها قولُـهُ -صلى الله عليه وسلم- : «يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم»!!
بل حالُهُم هذا - عباداتٍ وطاعاتٍ - مِن أشدِّ أسباب تغرير العامة بهم، واغترار الشباب بتلبيساتهم !! وإلاّ ؛ فلو كانوا فُسّاقاً ظاهرين - للعبادات تاركين، وللطاعاتِ غيرَ فاعلين - لَمَا وجدوا لهم مُتَّبعين، ولا مؤيّدين!
رابعاً: وأمّا قولهُم: (ولم نُكفِّر أيَّ مسلمٍ، ولا نستبيح مالَ وعِرضَ أيِّ مسلم) فهو التفعيل التطبيقي لمغالطتهم الكبرى - الأولى- مِن إنكار وجود (الفكر التكفيري)؛ فهم -حقّاً- لا يُكَفِّرون مَن يعتقدونهم مُسلمين، فضلاً عن استباحة أموالهم، أو استحلال قتلهم وأعراضهم!!! وإنمّا حالُهُم -ضمن ذلك التلبيس الشيطاني الشديد - أنَّهم يعتقدون المسلمَ كافراً - ضمن شبهات جهلهم، وتُرّهات ضلالهم -؛ فيستبيحون أموالهم، وأعراضهم، ونفوسَـهم؛ عـلى اعتبارهم كافرين، لا أَنّهم مُسلمون!!
خامساً: وأمّا قولُهُم : (نحن لا نُكَفِّرُ أحداً على الإطلاق، والكُفّار لَدينا هم الذين ورد وصفهم بالأحاديث النبيويّة الشريفة)!! فهو دليلٌ ظاهرٌ على جهلهم البشع - من جهة -، ومُغالطتهم الشنيعة - مِن جهةٍ أُخرى -؛ فهل كُلُّ مَن ورد وصفُهُ في الأحاديث النبويّة الشريفة أنه ( كَفَرَ)، أو ( كافر ) : يكون كافراً على الحقيقة؛ بمعنى أنّه مرتدٌّ عن دين الله، خارجٌ مِن ملّة الإسلام ؟!
فعلى هذا؛ ما معنى قول النبيّ -صلى الله عليه وسلم- مُخاطباً الصحابة - رضي الله عنهم - :
«لا ترجعوا بعدي كفاراً يضربُ بعضُكم رقابَ بعض»؟! فهل يصفُ هؤلاء الجهلة التكفيريون صحابةَ النبيّ -صلى الله عليه وسلم- بالكفر - بسبب سوء فهمهم لهذا الحديث - ؟!
وأيضاً؛ ما معنى قول النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- : « من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك»: هل يُكَفِّرون كُلَّ حالفٍ بغير اللهِ - تعالى -، ويخرجونه من ملّة الإسلام ؟!
... وهكذا في أحاديث نبويّة كثيرة، اتفق عُلماءُ السنّة، وأهلُ الحديث على فهمها فهماً واحداً، لا ثاني له : أنّها تحمل معنى الكفر الأصغر، الذي هو من الكبائر، لكنّه ليس مُخرجاً من الملّة؛ إلا بشروط دقيقة جدّاً لا يُـدْركُها إلا أكابر العلماء، دون حدثـاء الأسنان، سفهاء الأحلام.
ومحلّ بيان ذلك في هذه الرسالة : (ضوابط شيخ الإسلام ابن تيمية في التكفير) -ردّاً على بعض الكُتَّاب الذين أخطؤوا في هذه القضيّة بالغَلَط الواضح الصَّريح-....
إذن؛ هؤلاء (الأدعياء التكفيريُّون) -المتلاعبون- يُكَفِّرون المسلمين، ويُخرجونهم من دين الإسلام : بناءاً على جهلهم بهذه الأحاديث، وضوابط فهمها الدقيقة جدّاً؛ فهم عندهم - لتكفيرهم إياهم بالباطل- ليسوا مسلمين !!
سادساً: مِن الغريب جدّاً - والعجيب - ما يدعيه بعض رموزهم ( ! ) حول بعض رؤوس التكفيريين الكبار، ناسبين إليهم أنّه (يرفض تكفـير المجتمع أو الدولـة )!! متناسين أو غافلين أو جاهلين أنّ له كتاباً مشهوراً سائراً سمّاه : «الكواشف
الجلية في كفر الدولة ...» !!!
فأيّ تناقض هذا بين الدعوة والدعوى!؟!
سابعاً: ما أعلنه بعضُ هؤلاء التكفيريين من استعدادهم لمناظرة مَن يتّهمهم بأنّهم تكفيريّون : لعبةٌ سياسيّة ماكرةٌ، يُريدون مِن ورائها دغدغة عواطف العوام ّ، وإثارة حماسات الجهلة الطغام، وإظهار أنفسهم بثوب العلم والمعرفة وهم منها خواءٌ ...
ولقد جرّبنا مناظرةَ بعضٍ منهم -قديماً وحديثاً-: فما وجدنا إلا الجهل، والمُكابَرَة، والإعراض، وتسفيه العُلماء العارفين، والطعن بأئمّة الدين، والغمز الباطل بمخالفيهم؛ تارةً بالإرجـاء، وتارةً أخرى بالعمالة، وهكذا ...
ثامناً: تسميةُ هؤلاءِ التكفيريِّين لاثنين مِن رؤوس دعاة الفكر التكفيري - المشاهير! - على اعتبار أنّهما (مرجعيتهم في هذا الإطار) - التكفيري-!! تدلُّ على شيئين :
الأول: أنّهم مقطوعو الصلة بأهل العلم الربّانيّين، وأئمّة السنة والعقيدة والدين - المُتَّفق على مكانتهم، والمُجْمَع على إمامتهم -؛ فلم يذكروا عالماً مُعتبراً واحداً، سوى هذين الرأسين !!! ورسولُنا × يقول : «إنَّ مِن أشراط الساعة أن يُلتمس العلم عند الأصاغر» .
الثاني: أنّ حُجَجَهم في تكفيرهم الحَلَزوني للمسلمين - ممّا لا يعدّونه هم تكفيراً لمسلم -واهية واهنة!!
ذلكم أنّ لهذين الرأْسَين المذكورَين مؤلَّفاتٍ عدةً، وكتابات مُتعدّدة - معروفة، ومنشورة - أفرغوا فيها آراءهم، وجمعوا فيها شبهاتهم : فلم نَرَ فيها - بعد التأمل والدراسة الدقيقة - إلا التمويه، والتسفيه، والتشويه؛ ملفوفاً ذلك كلُّه بثوب العُجبِ، ورداء التعالُم، فضلاً عمّا فيها من مخالفاتٍ ظاهرة كبرى لنصوص العُلماء، وأقوال الأئمّة الكُبراء؛ الذين لايقيمون لهم وزناً، ولا يرفعون لهم رأساً .
تاسعاً: نصيحةٌ صادقةٌ، نابعةٌ مِن قول سيدنا النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: «الدين النصيحة ... » أوجِّهها لهؤلاء :
أن يتقوا اللهَ - تعالى - في أنفسهم، وفي المسلمين، وأن يتوبوا من آرائهم الغاليةِ المتطرّفة - تلك -، وأن يعودوا إلى العُلَماء الربّانيين ليأخذوا عنهم، ويستفيدوا منهم؛ بدلاً من الطعن الباطل فيهم، والإنكار الفاشل لإمامتهم ومكانتهم، وأن يفيئوا إلى أُسَرِهم، وبيوتهم، ومجتمعاتهم، وأوطانهم : ليكونوا صالحين مصلحين؛ بدلاً من هذا الفساد والإفساد الّذي يصدّرونه - جهلاً وإصراراً - بإسم ( الإسلام )، وهو مِن ذلك براءٌ ..
اللهم صل وسلم وبارك ، وأتحف وأنعم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .. والحمد لله رب العالمين .
* * *
ســـبيـل النجــاة
بما جــاء به خــاتم الأنبيــاء
تـــألـيــف
وجــدي عبـد اللطــيف سام أبوراس
سبيل النجاة بما جاء به خاتم الأنبياء ( 5 )
بـســــم الله الرحـمــــن الرحـــيــم
الحمد لله رب العالمين .. حمداً ليس له عد ولا إحصاء ، والشكر لله شكراً لا حد له ولا استقصاء ، وأشهد أن لا إله إلا الله القائل :
لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم
يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين .
ونصلي ونسلم بمحبة وإجلال وتعظيم ، على سيد الأولين والآخرين سيدنا محمد رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن والاه .
أما بعد ،،،
إحتفاءاً بذكرى المولد النبوي الشريف ، وعملاً بقوله تعالى : قل بفضـل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون .. وقوله تعالى : ومن يعظـم شــعائـر الله فإنها من تقـوى القـلـوب .
نقدم إلى كل المسلمين هذه الرسالة الموجزة ، تفنيداً للأمر الذي اختلف فيه اليوم فئة من المسلمين ، وكما ندعوهم بهذه المناسبة العظيمة ، إلى التخلص من سيطرة الحواس والأهواء ، التي جعلت بعضهم – هدانا الله وإياهم - منهمكين طيلة سنين بالجدل والكلام في دقائق الأمور ، وكأنه ما عرف الحق غيرهم ، مما جعل أعداء الأمة يضربوننا على أم الرأس ، فذلّت الأمة بعد عزة ، وجهلت بعد علم ، وضعفت بعد قوة .
(6 ) سبيل النجاة بما جاء به خاتم الأنبياء
وبهذه المناسبة أيضاً أستهل هذه المقدمة بدعوة المسلمين للتمسك والاعتصام بحبل الله المتين ، الذي يحي قلوبنا ، ويجمعنا على عدونا ، في وقت أضحى فيه اجتماع الأمة أحوج ما نكون إليه ، وكما أدعو هم جميعاً إلى نبذ ما يفرّق الصفوف ، ويمكّن الشحناء فتقسوا بذلك القلوب ، فهذا الداء ، وهذا الدواء .
فإنه لا حياة للقلوب إلا بمحبة الله ورسوله ، ولا عيش إلا عيش المحبين الذين قرت أعينهم بحبيبهم ، وسكنت نفوسهم إليه ، واطمأنت قلوبهم إليه ، واستأنسوا بقربه ، وتنعموا بمحبته .
قال سيدنا النبي : ( ما اختلط حبي بقلب عبد مؤمن فأحبني إلا حرمه الله على النار وأدخله الجنة ) (1)
و إنه لا يكمل الإيمان إلا بالمحبة ، ولا تصح المحبة إلا بتحقيق إعلاء قدر النبي ومنزلته على كل محسن ومفضل ، ووالد وولد ، ومن لم يعتقد هذا واعتقد سواه فإنه ليس بمؤمن والعياذ بالله . .
ولقد أمر الله بإعلاء قدره ، وتشريف مكانته ، وإلزام تعزيزه وتوقيره .
لأن في القلب طاقة لا يسدها إلا محبة الله ورسوله ، ومن لم يظفر بذلك فحياته كلها هموم وغموم وآلام وحسرات .
وأنه لا دواء لداء الذنوب والسيئات إلا صدق الالتجاء إلى سيد السادات .
والحقيقة التي لا شك ولا مراء فيها .. أنه قد انسد في الظاهر كل طريق غير طريقه ، وانغلق في الباطن كل باب غير باب تحقيقه ، فلا سبيل للتوجه إلا إليه ،
ولا سوى إلا التعلق بجنابه الشريف ، والعكوف على بابه الكريم .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) رواه أبو نعيم عن ابن عمر والسيوطي صححه .
سبيل النجاة بما جاء به خاتم الأنبياء ( 7 )
لذا يجب علينا وجوباً التعلق به ظاهراً وباطناً ، ويبدأ بذلك من : .
تصديقه على الرسالة ، والإيمان بجميع ما جاء به ، وطاعته في نهيه وأمره ، ونصرته حياً وميتاً ، ومعاداة من عاداه ، وموالاة من والاه ، وإعظام حقه ، وتوقيره ، وإحياء طريقته وسنته ، وبث دعوته ، ونشر سنته ونفي التهمة عنها ، ونشر علومها ، والنفقة في معانيها ، والدعاء إليها ، والتلطف في تعلمها وإعظامها وإجلالها ، والتأدب عند قراءتها ، والإمساك عن الكلام فيها بغير علم ، وإجلال أهلها لانتسابهم إليها ، والتحلي بأخلاقه ، والتأدب بآدابه ، والتمسك بتعظيمه وإجلاله ، ومحبة أهل بيته وأصحابه ، ومجانبة من ابتدع في سنته ، ومن التعرض لأحد من أصحابه ، ونحو ذلك من الذوقيات العالية التي غابت عن كثير من المسلمين إلا من رحم الله ولا حول ولا قوة إلا بالله .
ولا يقف الحال علي ذلك - أخي الكريم هداك الله لها - بل يستمر إلي معاونة المسلمين عليها وعلي إعظام حقه وتوقيره ، وطاعتهم فيه ، وأمرهم به ، وتذكيرهم له برفق وتلطف ، وإعلامهم بما غفلوا عنه ولم يبلغهم من حقه ، وتأليف قلوبهم لطاعته ، وترك الخروج عليه .
ومن مقتضيات التعظـيم الأدب معه .. بكل وسائله أدباً واجباً وذوقياً فمن الأدب أن نعظمه ونجله ، لأنه أعظم من تجب من بين الخلق حرمته ومحبته وتبجيله وتوقيره .
ومن الأدب أن نكثر من الصلاة والسلام عليه وخاصة حينما يذكر اسمه الشريف عندنا .
ومن الأدب أن نلتفت بذواتنا ونصغي بآذاننا إلى من يذكره ونترك ما يشغلنا عنه في
الحال تأدباً معه .
ومن الأدب أن نضعه عليه الصلاة والسلام نصب أعيننا .. في كل وقت وحين .
ومن الأدب أن نفهّم بعضنا ما واجبات الخلق نحوه .. وما يلزمنا الأدب معه .
( 8 ) سبيل النجاة بما جاء به خاتم الأنبياء
ومن الأدب تعظيمه وإقرار الأخر بذلك .. ووقوفه علي ذلك وتسليمه .
ومن الأدب أن ندافع عنه ما استطعنا إلي ذلك سبيلاً ..
ومن الأدب أن نسعد ونفرح بكل من يدعو إليه وإلى سنته ويحي طريقته ويعظم حرمته .
ومن الأدب أن نوقِّر ونجلّ كل من يعظم مكانته ويجلّ حرمته .
ومن الأدب أن لا يتقدم بين يديه .. بأمـر ولا نهى ولا إذن ولا تصرف حتى يأمر هو وينهى ويأذن كما أمر الله تعالى بذلك في هذه الآية وهـذا باق إلى يوم القيامة لم ينسخ .
فالتقدم بين يدي سـنته وبعد وفاتـه كالتقـدم بين يديـه في حياته ولا فـرق بينهما عـند ذي
كل عقل سليم . يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله .
لأنه هو السبب في هدايتنا ، وإرشادنا إلي سعادتنا الدنيوية والأخروية ، وإخراجنا من ظلمة الكفر والشقاوة إلي نور الإيمان والسعادة مع مقاساته المشقات والمتاعب في ذلك .
وليس من العدل والمروءة أن يجازي علي ذلك بغير كمال التبجيل والتعظيم ،
والأدب والاحترام معه بكل وسائله سواء أكان بالفعل أم بالقول .
ومن الأدب معه أن لا يجعل دعاؤه كدعاء بعضنا بعضا ..
فقد قال الله تعالى : لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا
وفيه قولان للمفسرين :
أحدهما : لا تدعوه باسمه كما يدعوا بعضكم بعضاً بل قولوا : ( يا رسول الله- نبي الله - سيدنا محمد ) .
والثـاني : أن المعنى لا تجعلوا دعاءه لكم منزلة دعاء بعضكم بعضاً إن شاء المدعو أجاب وإن شاء ترك , بل إذا دعاكم لم يكن لكم بد إجابته
ولم يسعكم التخلف عنها البتة , فإن المبادرة إلى إجابته واجبة والمراجعة بغير إذنه محرمة .
سبيل النجاة بما جاء به خاتم الأنبياء ( 9 )
والقرآن مملوء بالآيات المرشدة إلي الأدب معه ، ولما قال المشركون :
يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون أجاب تعالى عنه عدوه بنفسه من
غير واسطة فقال : )ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون .
ولعله ينظر - أخي الكريم - إلى ما أقره الله الحق لنبيه على عظيم نعمه لديه , وشريف منزلته عنده .
لأن قدر سيدنا المصطفى عند ربنا لكبير ، ومكانة حبيبنا عند ربنا للعظيمة ، فو الله ما خلق الله وما ذرأ وما برأ نفساً عليه من سيدنا محمد ، والحقيقة أنه لا يعلم قدر المصطفى إلا خالقه .
قال الله تعالى : ألم نشرح لك صدرك .ووضعنا عنك وزرك . الــذي أنقـض ظهرك . ورفعنا لك ذكرك ...
شـرح : وسَع . والمراد بالصدر هنا : القلب .
قال ابن عباس : شرعه بالإسلام .
وقال سهل : بنور الرسالة .
وقال الحسن : ملأه حكما وعلما .
وقيل : معناه ألم نطهر قلبك حتى لا يؤذيك الوسواس .. ووضعنا عنك وزرك الذي انقض ظهرك ؟
قيل : ما سلف مع ذنبك - يعني قبل النبوة .
وقيل : أراد ثقل أيام الجاهلية .
وقيل : عصمناك , ولولا ذلك لأثقلت الذنوب ظهرك , حكاه السمرقندى ورفعنا لك ذكرك :قال يحيى بن آدم : بالنبوة .
وقيل : إذا ذكرت معي , قول : لا إله إلا الله , محمد رسول الله . وقيل : في الآذان.
( 10 ) سبيل النجاة بما جاء به خاتم الأنبياء
قال القاضي أبو الفضل : هذا تقرير من الله جل اسمه لنبيه على عظيم نعمه لديه , وشريف منزلته , وكرامته عليه , بأن شرح قلبه للإيمان والهداية , ووسعه لوعي العلم ، وحمل الحكمة ، ورفع عنه ثقل أمور الجاهلية عليه ، وبغضه لسيرها وما كانت عليه ، بظهور دينه علي الدين كله ، وحط عنه عهدة أعباء الرسالة والنبوة لتبليغه للناس ما نزل إليهم وتنويهه بعظيم مكانه ، وجليل رتبته ، ورفعة ذكره ، وقرانه مع اسمه .
فلقد خلق الله واصطفى من الخلق الأنبياء ، ثم اصطفى من الأنبياء الرسل ، واصطفى من الرسل أولي العزم الخمس ، واصطفى من أولي العزم الخليلين سيدنا إبراهيم وسيدنا محمداً عليهما الصلاة والسلام ، ثم اصطفى سيدنا محمداً فشرّفه على كل خلقه ؛ شرح له صدره ، ورفع له ذكره ، ووضع عنه وزره ، وأعلى له قدره ، وزكّاه في كل شيء :
زكّاه في فؤاده فقال سبحانه : ما كذب الفؤاد ما رأى ..
زكّاه في بصره فقال سبحانه : ما زاغ البصر وما طغى .
زكّاه في صدقه فقال سبحانه : وما ينطق عن الهوى .
زكّاه في علمه فقال سبحانه : علّمه شديد القوى .
زكّاه في صدره فقال سبحانه : ألم نشرح لك صدرك .
زكّاه في ذكره فقال سبحانه : ورفعنا لك ذكرك .
زكّاه في طُهره فقال سبحانه : ووضعنا عنك وزرك .
زكّاه كُلّه فقال سبحانه : وإنك لعلى خُلُقٍ عظيم .
سبيل النجاة بما جاء به خاتم الأنبياء ( 11 )
وما من نبيٍ إلاّ ونادى عليه ربنا باسمه المجرد ، إلا المصطفى ؛
قال الله تعالى : يا آدم أسكن أنت وزوجك الجنة .
قال الله تعالى : يا نوح اهبط بسلام منا .
قال الله تعالى : يا إبراهيم قد صدّقت الرؤيا .
قال الله تعالى : يا موسى إنني أنا الله .
قال الله تعالى : يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلىّ
قال الله تعالى : يا زكريا إنا نبشرك بغلام
قال الله تعالى : يا يحى خذ الكتــاب بقوة
فلما أراد سبحانه أن ينادي على الحبيب المصطفى قال :
يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً ....
هذه مكانته عنده جلا وعلا .
وما ذكر اسمه مجرداً إلا وقرنه بصفة الرسالة والنبوة قال جلا وعلا :
محمدٌ رسول الله
وقال جلا وعلا : وما محمدٌ إلا رسول الله ، وقال جلا وعلا :
ما كان محمدٌ أبا أحدٍ من رِجالِكُم ولكن رسولَ اللهِ وخَاتَمَ النبيين ، فوالله لا يعرف قدر النبي إلا الرب العلي .
* * *
( 12 ) سبيل النجاة بما جاء به خاتم الأنبياء
- " قال العلماء في ضوابط قواعد الشريعة : أن الأصل في الأشياء هو المباح ، وأن ما حرمه الله هو عارض يعترض الأصل ، وكما أن الأصل أيضاً هو الطهارة ، وأن النجاسة هي العارض ، فمن هذا نستطيع أن نقول أن ما سكت عنه الشرع ولم ينهى عنه هو في الأصل المباح .
ومن الأشياء التي سكت عنها الشرع ولم ينهى عنها ، هو الاحتفال بذكري مولد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم .
لذا فإن الاحتفال بذكرى مولد سيد الكائنات هو مباح ، إن لم يكن واجباً ، لأنه على أقل ما يمكن قوله هو اجتماع المسلمين الذي يحصل به .
يقول الإمام الشافعي : من دعا إخواناً وصنع طعاماً وأوقد سراجاً وأنفق نفقة احتفالاً بميلاد رسول الله فقد فاز بالأمان .
ويقول الإمام معروف الكرخي : ما قريء ميلاد رسول الله على شيء من بُر
( أي قمح ) أو طعام أو ماء فدخل بطن إنسان إلا وتحرك واضطرب ولا يستقر حتى يغفر الله لهذا الإنسان .
قال الله تعالى : قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون
قال العلماء في هذه الآية : فضل الله هو العلم ، ورحمته هو سيدنا محمد .
يقول الله تعالى: ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب ؛
قال بعض العلماء والمحققون في هذا الباب ( بتصرف ) :
" وأي نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي .
وقد صحّ أن أبا لهب يخفف عنه عذاب النار في مثل يوم الاثنين لإعتاقه ثويبة سروراً بميلاد النبي .
سبيل النجاة بما جاء به خاتم الأنبياء ( 13 )
وكيف لا نفرح ونبتهج بقدومه إلى هذه الدنيا ، وقد احتفل أهل المدينة من الأنصار بمقدمه عليهم عند الهجرة بالأهازيج والدفوف .
وهل قدوم النبي إلى المدينة أعظم من قدومه إلى هذه الدنيا ؟.
ولقد أنكرت هذه الفرقة على من يظهر الفرح والسرور فقالت : لا نعلم لهذا الاحتفال بالمولد أصلاً في كتاب ولا سنة ! (1)
فيقال عليهم : نفي العلم لا يلزم منه نفي الوجود .
وقولهم : بل هو بدعة أحدثها البطّالون وشهوة نفس اعتنى بها المبتدعون ، والابتداع في الدين ليس مباحاً بإجماع المسلمين !
فيقال عليهم : كلام ليس بصحيح لأن البدعة لم تنحصر في الحرام والمكروه بل قد تكون أيضاً مباحة ومندوبة وواجبة " .
قال النووي في ( تهذيب الأسماء واللغات ) )2)
البدعـة في الشرع هي إحداث ما لم يكن في عهد رسول الله وهى منقسمة إلى حسنة وقبيحة .
وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام في ( القواعد ) :
البدعـة منقسمة إلى واجبة ومحرمة ومندوبة ومكروهة ومباحة ؛
والطريق في ذلك أن نعرض البدعة على قواعد الشريعة فإذا أدخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة أو في قواعد التحريم فهي محرمة أو الندب فمندوبة أو المكروه فمكروهة أو المباح فمباحة .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لا تزال هذه الطائفة إلى يومنا هذا تنكر جمع المحافل للمولد النبوي الشريف .
(2) هذا الكتاب من أشهر الكتب للإمام النووي وهو حجة على من أنكر .
( 14 ) سبيل النجاة بما جاء به خاتم الأنبياء
وذكر لكل قسم من هذه الخمسة أمثلة إلى أن قال : وللبدع المندوبة أمثلة .. منها الربط والمدارس ، وكل إحسان لم يعهد في العصر الأول ، ومنها صلاة التراويح والكلام في دقائق التصوف وفي الجدل ، ومنها جمع المحافل للاستدلال في المسائل إن قصد بذلك وجه الله تعالى .
وروى البيهقي بإسناده في مناقب الشافعي عن الشافعي قال : المحدثات من الأمور ضربان :
أحدهما ما أحدث مما يخالف كتاباً أو سنة أو أثراً أو إجماعاً فهذه البدعة الضلالة .
والثـانـي ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا ، وهذه محدثة غير مذمومة وقد قال سيدنا عمر (1) في قيام شهر رمضان : ( نعمت البدعة هذه ) يعني أنها محدثة لم تكن وإذ كانت فليس فيها رد لما مضى .
وروى الإمام البخاري في صحيحه أن زيد ابن ثابت قال : أرسل إلىّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة فإذا عمر ابن الخطاب عنده ، قال أبو بكر : إن عمر أتاني فقال : إن القتل استحر ( أي اشتد ) يوم اليمامة بقراء القرآن ، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن ، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن ، قلت لعمر : كيف نفعل شيئاً لم يفعله رسول الله فقال عمر : هذا والله خير .
وقولهم : أن الشهر الذي ولد فيه هو الشهر الذي انتقل فيه إلى الرفيق الأعلى فلما الفرح والسرور بدلاً من الحزن والسكون !
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله في سيدنا عمر ابن الخطاب : ( لقد كان فيمن قبلكم في أمم من قبلك ، أناس محدّثون من غير أن يكونوا أنبياء ، فإن يكن في أمتي فإنه عمر ابن الخطاب)
سبيل النجاة بما جاء به خاتم الأنبياء (15 )
فيقال عليهم : أن ولادته أعظم النعم علينا ، ووفاته أعظم المصائب لنا والشريعة حثت على إظهار شكر النعم والصبر والسكون والكتم عند المصائب ، وقد أمر الشرع بالعقيقة عند الولادة وهى إظهار شكر وفرح بالمولود ، ولم يأمر عند الموت بذبح ولا غيره بل نهى عن النياحة وإظهار الجزع فدلّت قواعد الشريعة على أنه يحسن في هذا الشهر إظهار الفرح بولادته دون إظهار الحزن فيه بوفاته .
وقد قال ابن رجب في كتاب ( اللطائف ) في ذم الرافضة حيث اتخذوا يوم عاشوراء مأتماً لأجل قتل الإمام الحسين ، لم يأمر الله ولا رسوله باتخاذ أيام مصائب الأنبياء وموتهم مأتماً فكيف ممن هو دونهم .
فيجب تعظيم هذا الشهر الكريم أي شهر مولده الذي منّ الله علينا فيه بسيد الأولين والآخرين ، فكان يجب أن يزاد فيه من العبادات والخير شكراً للمولى على ما أولانا به من هذه النعم العظيمة ؛ وإن كان النبي لم يزد فيه على غيره من الشهور شيئاً من العبادات وما ذاك إلا لرحمته بأمته ورفقه بهم لأنه كان يترك العمل خشية أن يفرض على أمته رحمة منه بهم .
وقد أشار إلى فضيلة هذا الشهر العظيم بقوله للسائل الذي سأله عن صوم يوم الاثنين فقال : ( ذاك يوم ولدت فيه ) ، فتشريف هذا اليوم متضمن لتشريف هذا الشهر الذي ولد فيه فينبغي أن نحترمه حق الاحترام ونفضله بما فضّل الله به الأشهر الفاضلة ، وهذا منها لقوله : ( أنا سيد ولد آدم ولا فخر ) وقوله : ( آدم فمن دونه تحت لوائي )
والأمكنة والأزمنة لا تشرف لذاتها ، وإنما يحصل لها التشريف بما خصت به من المعاني ، ألا ترى أن صوم يوم الاثنين فيه فضل عظيم لأنه ولد فيه !!
( 16 ) سبيل النجاة بما جاء به خاتم الأنبياء
فعلى هذا إذا دخل هذا الشهر الكريم أن يكرم ويعظم ويحترم الاحترام اللائق به اتباعاً له في كونه كان يخص الأوقات الفاضلة بزيادة فعل البر فيها وكثرة الخيرات .
وثبت في الصحيحين (1) من أن سيدنا النبي قدم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم ، فقالوا هو يوم أغرق الله فيه فرعون ونجى موسى فنحن نصومه شكراً لله تعالى ؛ فقال النبي : ( نحن أولى بموسى منكم ) ..
فيستفاد منه فعل الشكر لله على ما من به في يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة ، والشكر لله يحصل بأنواع العبادة كالسجود والصيام والصدقة والتلاوة ؛؛
وأي نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي ، نبي الرحمة في ذلك اليوم ، وعلى هذا فينبغي أن يتحرى اليوم بعينه حتى يطابق قصة سيدنا موسى في يوم عاشوراء .
ومن أنكر التعظيم لهذا اليوم ولهذا الشهر فلا يجد بد إلا وأن يقر الشكر لله تعالى وأن يظهر الفرح والسرور فيه على ميلاد هذا النبي صلوات الله وسلامه عليه .
فمحبة سيدنا النبي لازمة ، وحقيقة تعظيمه واجبة ، فطوبي لمن عُدّ من جملة محبيه ، وامتثل أوامره واجتنب نواهيه ، وبذل الجهد في مؤازرته ونصره ، والتأدب بآدابه في عسره ويسره ، وآثر ما شرعه علي هواه .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) البخاري ومسلم .
سبيل النجاة بما جاء به خاتم الأنبياء ( 17 )
فينبغي لكل صادق في حبه أن يستبشر بشهر مولده ويعقد فيه محفلاً لقراءة ما صح في مولده من الآثار فعسى أن يدخل بشفاعته مع السابقين الأخيار ، فإن من سرت محبته في جسده لا يبلى في القبر ، ولم تحصل مرتبة الشفاعة لأهلها إلا بواسطة حبهم لجنابه الأعلى ، وإذا كان الشفعاء الأبرار أورثهم حبه في غيرهم فلا أقل أن يورث عمل المولد الشفاعة في صاحبه وإن نزلت محبته عن محبتهم في المقدار ، ولا يزال بحمد الله تعالى في كل عصر طائفة من الإسلام ملتزمين له غاية الالتزام " .
هذا ما وفقنا الله تعالى لجمعه من أقوال علماء ومحققين ، فليس هناك أحد على وجه الأرض قاطبةً أتى بشيء من عنده ، إنما هو واسطة نقل ، إلا سيدنا رسول الله الذي لا ينطق عن الهوى إنما هو وحى يوحى .
نسأل الله العلى الكريم ، أن يجعلنا من محبيه ، وأن يحشرنا في زمرته ، وأن يجمعنا معه في جنته ،إنه ولى ذلك ومولاه ..
حكم جديد إسمه " لم يفعله رسول الله " صلى الله عليه وسلم .
فالأدعياء والمتطفلون على بساط الحقيقة كثر ، والحقيقة بريئة منهم ولا تعترف لهم بصحة نسبتهم إليها .
وكـل يدعـي وصـلاً بلـيلـى وليـلـى لا تقـر لهـم بـذاكـا
هذا بالإضافة إلى أنهم يشوهون الصورة ويسيئون السمعة ، وهؤلاء الأدعياء يصدق عليهم الوصف النبوي الدقيق الذي يقول : ( المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور( ..
ولقد بلينا معشر المسلمين بكثر من هؤلاء ، يعكرون صفو الأمة ويفرقون بين المسلمين ويورثون العداوة بين الأخ وأخيه والولد وأبيه .
ويدخلون إلى تصحيح مفاهيم الإسلام من باب العقوق ويسلكون في التمسك بآثار السلف سبيل الجحود ويستبدلون الحكمة والموعظة الحسنة والرأفة والرحمة بالغلظة والجفوة وسوء الأدب وقلة الذوق .
إننا نبرأ إلى الله من هذا كله ونعتبر أن كل ما يخالف الكتاب والسنة ولا يقبل التأويل هو مكذوب دخيل وملصق بأيد آثمة ونفوس ضعيفة .
فإذا دعوت مسلماً يصلي ، ويؤدي فرائض الله ، ويجتنب محارمه وينشر دعوته ، ويعمر مساجده ، ويقيم معاهده ، إلى أمر تراه حقاً ويراه هو على خلافك والرأي فيه بين العلماء مختلف قديماً إقراراً وإنكاراً فلم يطاوعك في رأيك فرميته بالكفر لمجرد مخالفته لرأيك فقد قارفت عظيمة نكراء ، وأتيت أمراً إذا نهاك عنه الله ودعاك إلى الأخذ فيه بالحكمة والحسنى .
فأول مفهوم أضافوه علينا واستحدثوه وابتدعوه ، هو قولهم ( هذا لم يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم ) ، لقد أضافوا علينا حكما جديدا على أحكام الشريعة الغراء ، فالذين يزعمون محاربة البدعة كانوا هم أول من وقع فيها ؛
فتعال معي لنشرح هذا بالضبط سوياً : -
الأمر المتفق عليه إجماعاً عند علماء الأصول ، والأمة لا تجتمع على ضلالة ، وهذا من رحمة الله بهذه الأمة الميمونة المباركة ، فالأمر المجمع عليه اتفاقا أن أحكام الشريعة هي كالتالي :
1) الواجب ، 2) الحرام ، 3) السنة ، 4) المكروه ، 5) الجائز أو المباح .
فأي أمر في الشريعة إلا ويندرج تحت إحدى هذه الأحكام ، ولا يمكن أبدا بأي حال من الأحوال أن يخرج أي أمر كان خارج هذه الأحكام ، فجاء هؤلاء المتنطعون الأدعياء ليضيفوا حكما سادسا على هذه الأحكام فأسموه حكم ( لم يفعله رسول الله ) .
فسيدنا النبي صلى الله عليه وسلم ترك لنا أشياء كثيرة لم يفعلها ولم يأمر بها ولم ينهى عنها ، وهي تدخل تحت حكم الجواز ، فقد قال صلى الله عليه وسلم : ( إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها ، وحد حدوداً فلا تعتدوها ، وحرم أشياء فلا تنتهكوها ، وسكت عن أشياء رحمة لكم فلا تبحثوا عنها ) الدار قطني .
فكيف لهؤلاء الأدعياء أن يجتروا ويدخلون فعلها في الحرام ، بحجة لم يفعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال علماء الأصول في ضوابط قواعد الشريعة كما أسلفنا : أن الأصل في الأشياء هو المباح ، وأن ما حرمه الشرع هو عارض يعترض الأصل ، لذلك ما سكت عنه الشرع ولم يأمر به ولم ينهى عنه هو في الأصل مباح .
ولو افترضنا ذلك جدلا أن كل مالم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم هو بدعة وحرام :.
فكيف لصديق الأمة سيدنا أبوبكر رضى الله عنه ، أن يفعل شيئا لم يفعله رسول الله وهو جمع القرآن الكريم ، بعد أن عرض سيدنا عمر عليه بأن يجمع القرآن خوفا عليه من الضياع ، وسأل معاذ ابن جبل فقال له معاذ هذا لم يفعله رسول الله ، ثم هدى الله أبا بكر فجمع المصحف وقال هذا والله خير ، وكلكم يعلم بقية القصة .
ــ فهذا خليفة رسول الله وقد نزل القرآن ليشهد له بأنه صاحب رسول الله ، وهو أقرب خلق الله لرسول الله ، فكيف له أن يبتدع بعد رسول الله ويخالف مالم يفعله رسول الله ، فهو بقول هؤلاء الأدعياء أن أبا بكر كبير المبتدعين وحاش له أن يكون كما يزعمون .
ــ وهدا فاروق الأمة أيضاً سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه ، يقول في صلاة التراويح قولته المشهورة ( نعمت البدعة هذه ) .
ــ وهذا بلال الحبشي رضي الله عنه ، وهو أول من سن لكل وضوء صلاة ، ولم يأمر به ولم يفعله رسول الله قط ، ولكن حينما علم سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم أقره . وغيره وغيره كثير .
فلنزم أنفسنا بالعلم والعمل ، وكفانا جدالاً وتنظيراً ، فما أرخص الكلام والزعم ، وما أقل العمل .
فمن أين لهؤلاء الأدعياء لهذه البدعة العظيمة ، إنه لا شك سقم العقول .
مِن مُغالطات دعاة (الفكر التكفيري) ..
مِمّا لا يخفى على ذي نَظَر : أنّ الغَلَط من طبائع البَشَر، بل إنَّ الإصرارَ عليه يكادُ يكونُ - في أحيانٍ ما -طبعاً آخَـرَ مِـن طبائِعهم الإنسانيّة الناقصة التي لا ينجو منها إلا من رحم اللهُ - تعالى - .
لكنَّ ثمّـةَ فـرقـاً بَيِّناً بـين (الــغَلَط) و(المغالطة): فالغَلَطُ سببُهُ الجهلُ، أو عدم إدراك الحقائقِ على أصلها؛ أمّا المُغالطةُ : فإنّها تحملُ معنى الجهلُ المركّب، والتمادي في الغَلَط إلى مُنتهاه، بحيث تكادُ تُغلق على صاحبها أبواب الرجوعِ، أو حتى التفكير به ! .
ولستُ - هاهنا - في مجال الردّ على أغلاط (الفكر التكفيري) وشبهاتِه - تفصيلاً - والنقض على دعاوى أدعيائِه ودُعاتِه - تأصيلاً -؛ وإنّما وَكْدي كلُّه : الردُّ على بعض مُغالطاتهم الّتي يموّهون بها على الجهلاء، فيحسبونهم - بذلك - بُرآء!!
وأنظم ذلك في نقاطٍ -قرأتها لبعض جَهَلَتهم - قريباً - :
أولاً: قولهم : (الفكر التكفيري ليس له وجود)!! وهذه أشدُّ المُغالطات ظُلماً، وأعظمُها إثماً : فالفكر التكفيري لا يزال مستمرّاً منذ فجر التاريخ الإسلامي إلى هذه السّاعة، بل سيخرُجُ بقايا أتباعه مع الدّجّال الأكبر في آخِر الزمان - كما ثَبَتَ وصحّ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في أشراط الساعة الكُبرى- .
وما يزالُ المسلمون - فضلاً عن غيرهم - يكتوون بظلام جهلهم، ونار فعلهم!!
وإنكار المحسوس مكابرةٌ للحقّ والواقع - ما لها من دافع - .
ثانياً: وأمّا قولُهُم عن فكرهم ( ! ) - هذا مُستنكرين - : (وهو من فكر الصهيونية)!! فهذا إمعانٌ في المُغالطة، وزيادةٌ في التغليط، فالفكر الصهيوني - بطرقهِ وأساليبهِ - لم يَعُدْ خافياً - في ظل الثورة الإعلامية التي نعيشها - حتى على صبيان المـدارس؛ فلم كل هذه المُكابرة ؟!
ثالثاً: وأمّا قولهُم : (نحن مسلمون نؤدي عبــادات وطاعـات)!! فهذا شأنٌ لا ننكِره منهم وفيهم، بل هو مِن الأوصاف التي بيّنها لنا النبيّ -صلى الله عليه وسلم- في أحاديثِه الشريفةِ المُحذِّرة من الخوارج، وأفكارهم، وأفعالهم؛ منها قولُـهُ -صلى الله عليه وسلم- : «يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم»!!
بل حالُهُم هذا - عباداتٍ وطاعاتٍ - مِن أشدِّ أسباب تغرير العامة بهم، واغترار الشباب بتلبيساتهم !! وإلاّ ؛ فلو كانوا فُسّاقاً ظاهرين - للعبادات تاركين، وللطاعاتِ غيرَ فاعلين - لَمَا وجدوا لهم مُتَّبعين، ولا مؤيّدين!
رابعاً: وأمّا قولهُم: (ولم نُكفِّر أيَّ مسلمٍ، ولا نستبيح مالَ وعِرضَ أيِّ مسلم) فهو التفعيل التطبيقي لمغالطتهم الكبرى - الأولى- مِن إنكار وجود (الفكر التكفيري)؛ فهم -حقّاً- لا يُكَفِّرون مَن يعتقدونهم مُسلمين، فضلاً عن استباحة أموالهم، أو استحلال قتلهم وأعراضهم!!! وإنمّا حالُهُم -ضمن ذلك التلبيس الشيطاني الشديد - أنَّهم يعتقدون المسلمَ كافراً - ضمن شبهات جهلهم، وتُرّهات ضلالهم -؛ فيستبيحون أموالهم، وأعراضهم، ونفوسَـهم؛ عـلى اعتبارهم كافرين، لا أَنّهم مُسلمون!!
خامساً: وأمّا قولُهُم : (نحن لا نُكَفِّرُ أحداً على الإطلاق، والكُفّار لَدينا هم الذين ورد وصفهم بالأحاديث النبيويّة الشريفة)!! فهو دليلٌ ظاهرٌ على جهلهم البشع - من جهة -، ومُغالطتهم الشنيعة - مِن جهةٍ أُخرى -؛ فهل كُلُّ مَن ورد وصفُهُ في الأحاديث النبويّة الشريفة أنه ( كَفَرَ)، أو ( كافر ) : يكون كافراً على الحقيقة؛ بمعنى أنّه مرتدٌّ عن دين الله، خارجٌ مِن ملّة الإسلام ؟!
فعلى هذا؛ ما معنى قول النبيّ -صلى الله عليه وسلم- مُخاطباً الصحابة - رضي الله عنهم - :
«لا ترجعوا بعدي كفاراً يضربُ بعضُكم رقابَ بعض»؟! فهل يصفُ هؤلاء الجهلة التكفيريون صحابةَ النبيّ -صلى الله عليه وسلم- بالكفر - بسبب سوء فهمهم لهذا الحديث - ؟!
وأيضاً؛ ما معنى قول النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- : « من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك»: هل يُكَفِّرون كُلَّ حالفٍ بغير اللهِ - تعالى -، ويخرجونه من ملّة الإسلام ؟!
... وهكذا في أحاديث نبويّة كثيرة، اتفق عُلماءُ السنّة، وأهلُ الحديث على فهمها فهماً واحداً، لا ثاني له : أنّها تحمل معنى الكفر الأصغر، الذي هو من الكبائر، لكنّه ليس مُخرجاً من الملّة؛ إلا بشروط دقيقة جدّاً لا يُـدْركُها إلا أكابر العلماء، دون حدثـاء الأسنان، سفهاء الأحلام.
ومحلّ بيان ذلك في هذه الرسالة : (ضوابط شيخ الإسلام ابن تيمية في التكفير) -ردّاً على بعض الكُتَّاب الذين أخطؤوا في هذه القضيّة بالغَلَط الواضح الصَّريح-....
إذن؛ هؤلاء (الأدعياء التكفيريُّون) -المتلاعبون- يُكَفِّرون المسلمين، ويُخرجونهم من دين الإسلام : بناءاً على جهلهم بهذه الأحاديث، وضوابط فهمها الدقيقة جدّاً؛ فهم عندهم - لتكفيرهم إياهم بالباطل- ليسوا مسلمين !!
سادساً: مِن الغريب جدّاً - والعجيب - ما يدعيه بعض رموزهم ( ! ) حول بعض رؤوس التكفيريين الكبار، ناسبين إليهم أنّه (يرفض تكفـير المجتمع أو الدولـة )!! متناسين أو غافلين أو جاهلين أنّ له كتاباً مشهوراً سائراً سمّاه : «الكواشف
الجلية في كفر الدولة ...» !!!
فأيّ تناقض هذا بين الدعوة والدعوى!؟!
سابعاً: ما أعلنه بعضُ هؤلاء التكفيريين من استعدادهم لمناظرة مَن يتّهمهم بأنّهم تكفيريّون : لعبةٌ سياسيّة ماكرةٌ، يُريدون مِن ورائها دغدغة عواطف العوام ّ، وإثارة حماسات الجهلة الطغام، وإظهار أنفسهم بثوب العلم والمعرفة وهم منها خواءٌ ...
ولقد جرّبنا مناظرةَ بعضٍ منهم -قديماً وحديثاً-: فما وجدنا إلا الجهل، والمُكابَرَة، والإعراض، وتسفيه العُلماء العارفين، والطعن بأئمّة الدين، والغمز الباطل بمخالفيهم؛ تارةً بالإرجـاء، وتارةً أخرى بالعمالة، وهكذا ...
ثامناً: تسميةُ هؤلاءِ التكفيريِّين لاثنين مِن رؤوس دعاة الفكر التكفيري - المشاهير! - على اعتبار أنّهما (مرجعيتهم في هذا الإطار) - التكفيري-!! تدلُّ على شيئين :
الأول: أنّهم مقطوعو الصلة بأهل العلم الربّانيّين، وأئمّة السنة والعقيدة والدين - المُتَّفق على مكانتهم، والمُجْمَع على إمامتهم -؛ فلم يذكروا عالماً مُعتبراً واحداً، سوى هذين الرأسين !!! ورسولُنا × يقول : «إنَّ مِن أشراط الساعة أن يُلتمس العلم عند الأصاغر» .
الثاني: أنّ حُجَجَهم في تكفيرهم الحَلَزوني للمسلمين - ممّا لا يعدّونه هم تكفيراً لمسلم -واهية واهنة!!
ذلكم أنّ لهذين الرأْسَين المذكورَين مؤلَّفاتٍ عدةً، وكتابات مُتعدّدة - معروفة، ومنشورة - أفرغوا فيها آراءهم، وجمعوا فيها شبهاتهم : فلم نَرَ فيها - بعد التأمل والدراسة الدقيقة - إلا التمويه، والتسفيه، والتشويه؛ ملفوفاً ذلك كلُّه بثوب العُجبِ، ورداء التعالُم، فضلاً عمّا فيها من مخالفاتٍ ظاهرة كبرى لنصوص العُلماء، وأقوال الأئمّة الكُبراء؛ الذين لايقيمون لهم وزناً، ولا يرفعون لهم رأساً .
تاسعاً: نصيحةٌ صادقةٌ، نابعةٌ مِن قول سيدنا النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: «الدين النصيحة ... » أوجِّهها لهؤلاء :
أن يتقوا اللهَ - تعالى - في أنفسهم، وفي المسلمين، وأن يتوبوا من آرائهم الغاليةِ المتطرّفة - تلك -، وأن يعودوا إلى العُلَماء الربّانيين ليأخذوا عنهم، ويستفيدوا منهم؛ بدلاً من الطعن الباطل فيهم، والإنكار الفاشل لإمامتهم ومكانتهم، وأن يفيئوا إلى أُسَرِهم، وبيوتهم، ومجتمعاتهم، وأوطانهم : ليكونوا صالحين مصلحين؛ بدلاً من هذا الفساد والإفساد الّذي يصدّرونه - جهلاً وإصراراً - بإسم ( الإسلام )، وهو مِن ذلك براءٌ ..
اللهم صل وسلم وبارك ، وأتحف وأنعم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .. والحمد لله رب العالمين .
* * *
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)
